كئوس شراب البلاء على وصف التداني حتى لا يغلب عليه بحر البلية ؛ فيغرقه ويلقيه إلى بحر الشكوى ، صبرت على بعض الأذى خوف كله ، ودافعت عن نفسي ؛ فغرت وجرعتها المكروه حتى تدربت ، ولو جملة جرعتها لا شمأزت ، وأيضا الصبر الجميل ما يكون باللّه قاله :
وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
.
قال الجنيد : الصبر الجميل أن يجعل ابتداؤه وانتهاؤه لا يبتدئ فيه بتحير ، ولا يقطعه بدعوى بل يمضي في جميع أوقاته على رؤية من إكرامه الصبر .
قال بعضهم : الصبر الجميل الذي ليس فيه إظهار الشكوى ، ولا إحساس بلوى ،
[ تفسير الآية 84 ]
ولما ثقل عليه أوقات البلاء ضاق صدره من معاشرة الخلق ، وأقبل على اللّه ، وشكا منه عليه بقوله تعالى :
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ
أسفه كان على رب يوسف عليه السلام لأنه رأى من يوسف عليه السلام جمال رب يوسف عليه السلام بواسطة يوسف عليه السلام ؛ فلما غاب عنه وفقده تغلل كتمانا على الحقيقة ، وقال :
يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ
، وهذا كحال الخليل عليه السلام حين اشتاق إلى ربه فتعلل بقوله :
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
وأراد بذلك رؤية المحيي ، ومثل هذا احتيال العاشقين تولى عنهم إذ لم يرى ما يرى في يوسف عليه السلام عنهم ، وقال : يا أسفى على مرآة اللّه في بلاد اللّه تذكر أيام بالوصال ، وظهور أنوار الجمال ، وتأسف بالفراق والانفصال بعد الاتصال .
سقى اللّه أياما لنا ولياليا * مضت فجرت من ذكرهن دموع
فيا هل لها من الدهر أوبة * وهل لي إلى أرض الحبيب رجوع
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ
علق ذهاب البصر إلى الحزن ، وذهابه كان من فقدان ذلك الجمال بكى حتى ذهب بصره بألا يرى غير حبيبه .
لما تيقنت أني لست أبصركم * غمضت عيني فلم أنظر إلى أحد
ولما رأى سبحانه دعوى يعقوب بالصبر الجميل زاد حمل بلائه على بلائه حتى ضاق صدره عن حمل وارد قهر القدم ، وخرج بعجز البشرية ، وقال :
يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ
؛ لأنه تعالى غيور ولا يذر أحدا من التمكين إلا ناقصا عن موازات طوارق أقدار الأزل .
ألا ترى إلى قول من قال : من صبر اجتوى ، ومن شكر ابتدى ، ومن ذكر افترى ، ما أعجز الحدثان في ظل نور عظمة الرحمن .
قال الجنيد : في قوله :
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ
أعرض عنهم لما لم يجد من عندهم الفرح ولم يوفيهم مشتكي لشكواه ، وقال :
يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ
فلم يترك في هذا النفس الوجد له نفسا حتى أوحي إليه أتأسي على غيرنا ، أين ذلك الصبر الجميل الذي وعدتنا من نفسك ،