تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥

[ تفسير الآية 42 ]

قوله تعالى :
اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ
: إنّ اللّه سبحانه وصف مكان امتحان صديقه يوسف عليه السلام ؛ حيث أغان قلبه عين قهر نكرته حتى وقع في بحر النكرة ، وامتنع عنه بوصف المعرفة ، فلمّا احتجب عن مطالعة جلال القدم بامتناع القدم بقي في رسم الطبيعة ، وعالم الصورة فسلك سبيل الأسباب ، وكان ذلك أقل من لمحة ، فلمّا طلعت على قلبه أنوار القدم ، وأدركه فيض الكرم على مكان الامتحان ، وعرف كيد الشيطان ، فرجع عن ذكر الإنسان إلى ساحة الرحمن ، وإذا أراد اللّه بالعبد العارف زيادة معرفته وقربته أوقعه لحظة في الغفلة عن الذكر ، ثم بدا لقلبه نور التجلي ، فيندم عن نسيانه ويسرع قلبه في طلب مزيد عرفانه ، فيكون أقوى في طلب الحق من الأول ، كانت غفلته عن الذكر تورث زيادة الذكر ، ومن كان أقرب إلى اللّه فهو أخذته في زلته أسرع ، وبلاؤه أوفر . ألا ترى كيف جازاه بغفلة لحظة لبثه في السجن بضع سنين ،
فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
، وإنّ اللّه سبحانه أراد من لبث يوسف عليه السلام في السجن كمال تربيته في الخلوة ، وبلوغه إلى أخص درجة الأنس باللّه ، وزيادة القوة في الوجد ، وتمكينه في الصحو ، ألا ترى إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم كيف تحنث في غار حراء ، وآنسه في الخلوة في أوائل النبوة . ويحتمل أن قوله :
اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
أي : عرفني له طريقي مع اللّه حتى يعرفني أنّي رسول اللّه ، ويطيعني في طاعة اللّه ، وينجو بذلك من عذابه ، ويصل إلى ثوابه ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويوحد اللّه سبحانه ، ويخلص من كيد الشيطان ، ومن تابعه من الإنسان . وقوله :
فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ
: إنّ يوسف عليه السلام لم يعلم وقت إيمان الملك ، ولم يأت وقت دخوله في الإسلام :
فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ
في سابق حكمه على تقدير وقت إيمان الملك ، فلبث في السجن إلى وقت إيمان الملك ، فنسيان يوسف عليه السّلام احتجابه عن النظر إلى مقادير السابق ، واللّه أعلم وأحكم . قال الواسطي : احذروا أصول النفوس ؛ لئلا يكشف لكم عن مواضع العجز ، ألا ترى يوسف عليه السلام كيف قال :
اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
« 1 » .
هامش
( 1 ) قال التستري ( 1 / 235 ) : حكي أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف في السجن ، فقال له جبريل : يا طاهر ابن طاهر ، إن اللّه تعالى أكرمني بك وبابائك ، وهو يقول لك : يا يوسف ، أما استحييت مني حيث استشفعت إلى غيري ، فوعزتي لألبثنك بضع سنين قال : يا جبريل ، هو عني راض ؟ قال : نعم ، قال : إذن لا أبالي .