وقال بعضهم : اذكرني عند ربك ليعلم أنه ليس إليه من الضر والنفع شيء ، وإنه مدبر ، وإن الأمور كلها إلى اللّه ؛ لئلا يعتمد على غير اللّه ، ولا يسكن إلى أحد سواه ، يدل عليه قوله :
فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ
، حين قال لصاحبه :
اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
.
وقال النصر آبادي : قدّم على ذكره ذكر الذي ذكر عنده ، فأنساه الشيطان ذكر ربه حين قال لصاحبه في السجن :
اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
.
وقال بعضهم : أخذ الأنبياء بمثاقيل الذر لمكانتهم عنده ، وتجاوز عن سائر الخلق لقلة مبالاته بهم في إضعاف ما أتوا به من سوء الأدب .
ألا تراه كيف يقول ليوسف عليه السلام بقوله :
اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
، وجرى على سري أن الشيطان أنساه ذكر ربه ؛ لا ربه أنساه الذكر ، ولا أنساه المذكور ، وكيف أنساه المذكور وشره مشاهد وجوده في جميع أنفاسه ، فذكره ها هنا محل التوكل والرضا ، وليس من سقط عن درجة التوكل ، سقط عن رؤية اللّه ، فإنّ التوكل من أسباب المقامات ، والعارف يسري في الحالات ، وليس أنه محجوب عن حقيقة التوكل ؛ فإنّ حقيقة التوكل العلم بوحدانية اللّه ، وغلبة قهره على كل ذرة ، وحاشا الأنبياء محجوبون عن ذلك أبدا .
[ تفسير الآية 46 ]
قوله تعالى :
يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ
: سماه الصدّيق في دعواه علم الغيب ، ومكاشفته ، وعلم بأنبائه العجيبة ، صادق في مكاشفة الذي استقام الصديقية فيه ، وذلك تتابع أنوار الإيقان والعرفان بعد كشف أنوار التجلّي في قلبه ، ووصف هذا استواء الحال ، واستقامة الإعمال .
قال أبو حفص : الصدّيق الذي لا يتغير عليه باطن أمره من ظاهره .
قال بعضهم : الصدّيق هو الصادق قولا وفعلا وعزما وزينة وعقدا .
وقال بعضهم : الصدّيق الذي لا يخالف قوله فعله ، ولا حاله عمله .
قال ابن الفرحي : الصدّيق كأبي بكر رضي اللّه عنه الذي يبذل الكونين في رؤية الحق ؛ لّما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما أبقيت لنفسك ؟ قال اللّه ورسوله » « 1 » .
[ تفسير الآية 52 - 51 - 50 ]
قوله تعالى :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ
:
أخبر اللّه سبحانه أن يوسف عليه السلام لما دعي من السجن لم يبادر سريعا إلى الخروج حتى يفحص شأن النسوة ، وزليخا حين قالت لسيدها :
ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً
بقوله :
ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
.
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ( 2 / 106 ) .