تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
وقال بعضهم : أي : العالمين بعلم الرؤيا . وقال أبو بكر الورّاق : الراجعين إلى اللّه في النوائب والمحن . وقال يوسف بن الحسين : التاركين حظك لحظوظ إخوانك . وقال الجنيد : العارفين حقائق الأمور .

[ تفسير الآية 38 ]

قوله تعالى :
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ
: أخبر سبحانه عن كمال التوحيد يوسف عليه السلام ، وتمكينه أسوة بابائه من الأنبياء والرسل . ومعنى قوله :
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي
أي : أسألك طريق ما سلكوا إلى اللّه شوقا إلى وصاله ، وعشقا لجماله بأسرار نورانية ، وأرواح ملكوتية ، وقلوب ربانية ، ونيات صادقة ، وأنفاس مقدسة ، ونفوس طاهرة ، وحقول عالمة بأحكام إلهامه ، وأسرار خطابه ، وأعلام ربوبيته ، وآثار عبوديته . انظر كيف أحسن الأدب ؛ حيث ذكر الخليل عليه السلام أولا ، وذكر إسحق عليه السلام ثانيا ، ثم ذكر يعقوب عليه السلام ؛ احتراما وإكراما لهم : أي : اتبعت الخليل عليه السلام في الخلة ، والمحبة ، والحلم ، والسخاء ، وإكرام الضيف ، والرضا بالمقدور ، والتسليم في الأمر ، والحرقة ، والهيجان والبكاء ، والتلوة ، وإفراد القدم عن الحدوث ، حيث قال :
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
[ الأنعام : 78 ] ، والصدق واليقين ، وطلب مشاهدة الحق في الآيات ، وهو مقلم الالتباس ، بقوله :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ البقرة : 260 ] ، والإسلام ، والانقياد ، والحنيفة السهلة ، واتبعت ملة إسحاق عليه السلام ؛ حيث ألقى نفسه لأمر اللّه ، وذبحه على باب ربوبيته ، وقربان النفس عند سرادق مجده ، والانقياد عند أمر أبيه ؛ حيث فعل بأمر اللّه ما فعل ، واتبعت ملة يعقوب عليه السلام بالصبر الجميل ، والحزن الطويل ، والبكاء على الدوام ، وتحمل البلاء على التسرمد . وافهم أن المتابعة وصف الخاصين من المريدين ، ومن لم يتأدب بآداب أهل الطريقة والحقيقة لم يبلغ إلى درجات القوم . ثم بيّن سبحانه قول يوسف عليه السلام أن ملة آبائه إفراد القدم عن الحدوث ، وتجريد التوحيد ، وتطهير الإدراك عن الإشراك بقوله :
ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
: أي : لا ألتفت في طريق محبته إلى غيره . ثم بين أن ذلك خارج عن اكتساب البشر ، بل متعلق بسابق اختيار اللّه لهم واصطفائيته لهم في الأزل بقوله :
ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا
: أي : ما ذكرت من شمائلهم ، وما وهبني اللّه من علم الغيب والحسن ، والجمال من فضل اللّه علىّ وعلى آبائي ،
وَعَلَى النَّاسِ
: أي :