فالقوم حكموا بما صدر من القهر أنه نفس ، وأنا أرجع إلى الأصل ؛ لأنّ القهر صفة دائمة أزلية محركة طباع البشر إلى طلب الشهوات ، ولا يطيق أحد أن يخرج من تحته إلا بلطف اللّه بقوله :
إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
؛ لأنّه صفة غالبة على جميع الذرات ، وهو صفة اللّه سبحانه ، وهو نفس النفس ؛ لأنّ ذاته تعالى موصوف بصفة القهر ، وإنّ قهره حار جميع الحدثان تحت غلبته ، ومن يدّعي أن يبعد نفسه من سلطان قهره بقوله :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
: أي : ما أبرئ نفسي من غلبه قهر اللّه عليها ، وأنها مقهورة بين يديه .
وأيضا : ما أبرئ نفس النفس عن القهر والغلبة ، فإن نفس النفس أمّارة إلى ما يقتضي القهر ، وما يقتضي القهر يقتضي الامتحان ، وما يقتضي الامتحان يقتضي الملامة في رسوم العلم .
وقوله :
إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
: أي : إلا من عصمه الحق بلطفه عن قهره ، وأشار بهذا إلى وجوده حين عصمت بلطفه عن قهره .
وقوله :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
: إثبات ما جرى من الهمة : أي :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
من الهمة التي همت بها ، وهذا محل من عرف سرّ القهر ، وسرّ الخطاب ، وسرّ الامتحان ، وسرّ النفس ، وغلبة الربوبية بقوله عليه السلام : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 1 » .
ولما عرف حقائق النفس صلى اللّه عليه وسلم استعاذ منها إلى الأصل ، وقال : « أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك » « 2 » ، وأعلمنا عليه السلام أنه تعالى نفس النفوس بقوله :
« أعوذ بك منك » « 3 » .
ومن أراد أن تبرأ نفسه فقد نازع الربوبية ، فإنّ النفس أصل القدر السابق على ما جرى من البلاء والامتحان .
ألا ترى إلى قول الواسطي كيف قال : من لام نفسه ؛ فقد أشرك .
وقال أيضا : رؤية التقصير من النفس شرك ؛ لأن من لاحظ نفسا من نفسه ؛ فقد جحد الأزلية للحق ، ومن لام نفسه في شيء من أموره فقد أشرك ؛ لأنّه أضاف إلى نفسه ما لم يكن منه قط .
قال ابن عطاء : وما أبرئ نفسي بنفسي إنما أبرئ نفسي بربي .
قال أبو حفص : من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ، ولم يخالفها في جميع الأحوال ، ولم
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 10 / 208 ) .
( 2 ) تقدم تخريجه .
( 3 ) تقدم تخريجه .