والمشاهدات ، والمواصلات ، وإنّي أختار رضاك وأوثر مرادك على حظ نفسي .
وفيه إشارة لطيفة : أي : السجن أحبّ إلىّ إذا كنت محبوسا لزليخا حتى يزيد عشقها على عشقها ، ويكون عشقها عشقا روحانيّا ، وعشقا رحمانيّا ، وتحترق بنيران عشقها علل الإنسانية ، وشهوة البشرية ، وإلا تصرف عني بعصمتك القديمة كيدهن في إظهار حسنهن أو جمالهن ، وزينتهن علىّ ، وتميل نفسي إليهن ،
وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ
« 1 » : من المؤثرين حظوظ أنفسهم على حظ مشاهدتك وقربتك .
وأيضا : من الجاهلين بأنفسهم .
وأيضا : من الجاهلين بقدرتك على عقوبة الأسرار وضرب الحجاب بينها وبين الأنوار .
قال الواسطي : منعك إياي عنهن بنزع القدرة عنى أحبّ إلى مما يدعونني إليه من طلب الحظوظ .
قال بعضهم : توهم يوسف عليه السلام أن السجن ينجيه من الفتنة ، فأوقعه في الفتنة الكبرى ، حتى قال لصاحب السجن :
اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ
.
قال ابن عطاء : السجن أحبّ إلىّ مما يدعونني من الزنا ، فالاختيار أفسد عليه أمره لعلمه لو ترك الاختيار لكان معصوما من غير امتحان بالسجن ، كما كان معصوما في وقت المراودة .
وقال الجنيد : لمّا جاء بالافتقار لا بالمسألة في صرف كيد الباغين عنه ، وأشفق من دخول الصبوة عليه التي لا مدفع إلا بتأييد العصمة ، فأسعده الإجابة ، ومنع كيد الشيطان وتسلطه ، وأخرجه من البلاء بقبول حسن ما تقدم من الوعيد .
قيل : إن يدخل فيه وبمثل هذا يتعزى أهل المعرفة .
[ تفسير الآية 36 ]
قوله تعالى :
إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
: أي : ممّن يعفو عمّن ظلمه .
وأيضا : أي : من المشاهدين الملكوت ، والمكاشفين لهم أنوار الجبروت .
وأيضا : أي : من العالمين بحل مشكلات الغيوب ، وعجائبات القلوب .
وأيضا : من العارفين بدقائق الأحوال ، وحقائق الإجمال .
قال ابن عطاء : من المائلين إلى الفقراء بالإحسان إليهم ، والقعود معهم والأنس بهم .
وقال أبو بكر بن طاهر : إنا نراك من المحسنين ، لا ترد عذر معتذر .
وقال بعضهم : إنا نراك من المحسنين إلى من أساء إليك ، وهو من شرائط الإيمان .
هامش
( 1 ) أي : من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه ، فإن الحكيم لا يفعل ما هو قبيح . أو من الذين لا يعملون بما يعلمون ، فإنهم جهال ، وكلامه هذا : تضرع إلى اللّه تعالى ، واستغاثة به . البحر المديد ( 3 / 106 ) .