تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
ولا هممت بشرب الماء من عطش * إلا رأيت خيالا منك في المائي
النار أبرد من ثلج على كبدي * والسيف ألين بي من هجر مولائي
قال النصر آبادي : طلب العذر في العشق من نقصان العشق ، وإنّما العشق الحقيقي ما غلب على صاحبه وألهاه عن الاشتغال إلا بمحبوبه . وقال بعضهم : لمتنني فيه بغيتني لصرعتن . وأنشد :
وكنت إذا ما حدّث الناس بالهوى * ضحكت وهم يبكون من حسرات
فصرت إلى ما قيل هذا متيّم * تلقيتهم بالنّوح والعبرات
فلما رأت زليخا عذر النسوة أرادت أن تعرفهن طهارة يوسف عليه السلام فقالت :
وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ
أي : هو مقدّس عن جميع التهم ، وباطنه أحسن من ظاهره ؛ لأنّ باطنه مطهر عن دنس الشهوة ، وعلة البشرية ، ومراودة النسوة والفحشاء ، معصوم بأنوار النبوة والرسالة ، وأرادت بذلك أن يرينه أكبر مما يرينه ، ثم قالت :
وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ
: خوف يوسف عليه السلام من البلاء ، وكيف يخاف من يكون في رؤية المبلي ، مؤيدا بعناية أزلية ، معصوما عن معصية ، وقولها في ذلك من استغراقها في الحب والعشق . وقال بعضهم : ما كان يلحق يوسف عليه السلام من السجن والمحبة ، إنّما كان من ترادف البلاء على زليخا ، وهيجان المحبة به . فربّما كان نصيب يوسف عليه السلام من أطراف بلائه شيئا بالسجن والهم ، وغير ذلك وهذا من تمام المحبة وشدة البلاء :
أن أشارك المحبوب محبة في بلائه * وأنشدت ليلى صاحبة مجنون
لم يكن المجنون في حاله * إلا وقد كنت كما كانا
لكنه باح بسر الهوى * وإنني قد قدمت كتمانا

[ تفسير الآية 33 ]

فلما رأى يوسف عليه السلام تملقّهن ومكرهن واحتيالهن في دعائهن يوسف عليه السّلام إلى طاعة زليخا التجأ إلى اللّه ، وتضرع بين يديه بقوله :
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ
أي : يا رب البلاء أحبّ إلىّ من لذة الوقت ، وشهوة النفس التي تحتجبني عنك ، وعن شهوة الروحاني ، ورؤية آثار الربوبية . وأيضا : السجن أحبّ إلىّ ؛ لأن في السجن مقام الأنس ، والخلوة ، والمناجاة ، والمداناة ،