تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
في صدره ، فأذن لهم بذلك ؛ ليخرج يوسف عليه السلام لحظة من تحت أثقال هموم المعرفة ، وتواتر تراكم حزن المحبة ، ومواجيد القربة ، ويستروح ساعة برؤية الآلاء والنعماء ، فسامحهم بذلك ، ليس أنه غافل عن تأديبهم ، وزجرهم عن اللهو واللعب ، ورأى ما في ضمائرهم من لطيف المكر ، وعلم أنه موضع البلاء ، فجعل المعول عليهم وسبق التقدير على التدبير ، وحجب غيرة اللّه بينه وبين يوسف عليه السلام . قال محمد بن علي الترمذي : لما لم يزجرهم عن اللعب وسكت عنهم جاء من ذلك اللعب ما اتصل عليه به الحزن . قال ابن عطاء : لو أرسله معهم وسلمه إلى القضاء لحفظ ، لكنه اعتمد على حفظهم :
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
، فخانوه ، لو ترك تدبيره عليه وحفظهم له لكان محفوظا كما حفظ الآخرين ، قال :
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً
. قال بعضهم : رجع يعقوب إلى نفسه في ثلاث مواطن فابتلي فيها : قال ليوسف عليه السّلام :
لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً
فكادوا له ، ولما قالوا :
أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً
قال :
وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ
فقالوا : أكله الذئب ، ولمّا قال لهم :
لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ
، أصابهم في ذلك ما حذر عليهم منه .

[ تفسير الآية 13 ]

قوله :
قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ
: صدق يعقوب خاف من ذئب حسدهم ، وبرؤيته في ذلك حقيقة ، وكل ما رأى يعقوب من هذه الواقعات فقوله فيها وقوع نظر سره على سابق التقدير ، وكل ما قال لبنيه من الزجر والنصيحة في حق يوسف عليه السلام مما رأى بنور النبوة ما يقع في المستقبلات من الواقعات ، وذلك غير مناقض لحقيقة التوحيد ، وكيف يكون استعمال معاملات العقل وعادة البشرية حجاب الأنبياء والصدّيقين من رؤيتهم حقائق التقدير ، وهم يعلمون أن من العرش إلى الثرى من الحريات والسكنات عاجزة بين حرفي الكاف والنون . وأيضا : أخاف من ذئب التقدير أن يفرّق بيني وبين ابني وأنتم عما أراه غافلون ، رأى غيرة الحق عليه حتى لا ينظر إلى الوسائط في شهود حقيقته ، وتصديق ذلك أن الذئب لم يأكل يوسف ، فعلمنا أن الذئب ذئب الحسد ، وكيف كانت فراسة خطأ ، ورأى بنور فراسة ما كان يجري على يوسف إلى آخر عمره وافق في متابعة مراد اللّه ؛ لأنه أراد أن يفرق بينه وبين يوسف عليه السلام أريد وصالي ويريد هجري فأترك ما أريد لما يريد . قال أبو علي الجوزجاني : خاف الذئب فسلط عليه ، ولو خاف اللّه لمنع عنه كيد الإخوة .