تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
خليلي وعد أحسن الناس كلهم * ويحسدها من حسن شمس والبدر
فيا ليت الجميع لو رأوا جمال سيد الأنبياء والمرسلين صلوات اللّه عليه لهاموا في البوادي والقفار ، وغرقوا في الفيافي والبحار ، وتطير الملائكة من السماء ؛ لأن نوره أنور ، وشمسه أزهر ، وبدره أشرق ، نوره كان من معادن جمال القدم ، وسراجه أسرج من سمة الكرم ، وفيه نكتة عجيبة من حقائق التوحيد : أن مشار الخليل ما قال :
هذا رَبِّي *
سجدت لبعض نبيه بيانا لتنزيه جلال الكبرياء ، وتنزيه ساحة العزة والبقاء عن الأضداد والأنداد ، رأى الخليل عليه السلام هذا المعنى بنور النبوة ، فقال :
وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
، وفيه أدب المريد أن المكاشفة تذكر عند أستاذه ليفرق بين الكشف والخيال . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 5 إلى 7 ] قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 5 ) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 ) لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ ( 7 )

[ تفسير الآية 5 ]

قال بعضهم : أعجبه حسن رؤياه حتى قصّها على أبيه ، فكأنه فيه أول بلية ومحنة إلى أن بلغ إلى تحقيق ما رأى ، فلمّا رأى يعقوب أسرار الرؤيا وتأويلها خاف على ابنه :
قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ
، وهكذا شأن أهل قصة المعرفة ، لا يجوز للمريد أن يفتق سر المكاشفة إلا عند أستاذه ، والأنفع في بحر الحجاب ، ومحن الدعاوى ، ويكون مرتهنا بعيون الغيرة ، كان يعقوب عليه السلام في ذلك الوقت في رؤية العلم من رؤية ما جرى في الأزل فدبّر وقاية ابنه بحسن التدبير قوة من صورة التدبير إلى عين التقدير .

[ تفسير الآية 6 ]

قال بعضهم : إنّ يعقوب عليه السلام دبّر ليوسف عليه السلام في ذلك الوقت خوفا عليه أن يقع من إخوته في شيء ، فوكل إلى تدبيره ، ووقع به ما وقع ، ولو ترك التدبير ورجع إلى التسليم لحفظ ، ولما قال :
وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
، ولما قال :
أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ
، وقال :
لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ
: أراه اللّه فيه ما كان يخافه عليه ؛ لذلك قيل : إن التفويض والتسليم خير من ملازمة التدبير ، ولمّا وصاه وقال : لا تقصص الرؤيا عرّفه اختصاصه في الرسالة والنبوة والحسن والجمال والخلق والخلق بقوله :
وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
: اجتباه بأن كساه من نوره نور الجمال ، وربّاه بمفرح الكمال ، ورزقه الرسالة والكشف وعلوم المدينة الإلهية التي قال :
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 149 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )