تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وقال الجنيد : ما أوقعهم في الحسد إلا ما أظهر من شفقته عليه بهذا القول .

[ تفسير الآية 14 ]

قوله تعالى :
قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ
: لمّا رأى يعقوب أن حبال التقدير لا تضر وأن تواتر البلاء لا ينقطع وأنّ عساكر الغيرة لا تمتنع أرسله معهم ، وذهب مع سيول بحر القهريات مريد المرادة ، وكيف تدفع تقدير الأزل قوة العصبة وعلة التدبير ، وربما نفي نظر التوحيد في بعض الوسائط في بعض الأوقات ، فقطع اللّه ذلك حتى لا يستمسك غريق بحر المعرفة من قبلهم ، فالقوة في الجب ، ثم لما أرسل بنيامين قال :
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً
: حفظه وردّه إلى يوسف عليه السلام ، وردّهم جميعا إلى يعقوب ، كذا حال من اعتمد على ربّه ، ومن اعتمد على غيره .

[ تفسير الآية 15 ]

ولما وقع يوسف عليه السلام في بحر الامتحان ، وعجز في أيدي الأخوان ، وذاق طعم جفائهم ، رفع عروس الغيب رأسه عن بحر البلاء لتسلية قلب يوسف عليه السلام بالولاء بقوله :
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
: لتنبئنّهم بأنباء الأزلية ، ومناطق الربوبية بلسان النبوة ما غاب عنهم ، وما علموا وفعلوا وصنعوا حين نبلغك إلى رتبة الأعلى من النبوة والرسالة والتمكين والاستقامة ، وهكذا كمال تسلية اللّه سبحانه صديقه في ابتلائه . وقال الأستاذ : الإشارة فيه أنه لما حلّت به البلوى عجّلنا له تعريف ما ذكر من البشرى ليكون محمولا بالتعريف في عين ما هو محتمل له من البلاء العنيف . ويقال : إن انقطع عن يوسف عليه السلام مراعاة أبيه إياه حصل له الوحي من قبل مولاه .

[ تفسير الآية 16 ]

قوله تعالى :
وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ
: سرّ هذه الآية أن طبيعة البشر إذا ظفرت بمرادها رقّت ، فإذا دعيت بالبكاء أجابت ، ولكن لا يكون بكاءها إلا من فرح الخداع وحب الجاه والرياسة ، وإنّ ذلك البكاء أكثره تباكيا ، بكوا بغير عبرة ولا بفلق وحزن من أسف ، ولا بزفرة جاءوا عشاء حتى لا يتبين تباكيهم من بكائهم ، وليرتفع من بينهم وبين أبيهم سجون الاحتشام :
إذا اشتبكت دموع في خدود * تبيّن من بكى ممن تباكى
قيل : أخروا المجيء إلى وقت العشاء الآخرة ليدنسوا على أبيهم . وقيل : ليكونوا إجراء في الظلمة على الاعتذار ، وترويح ما مكروا .

[ تفسير الآية 18 ]

قوله :
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
: فتح اللّه سبحانه ثوب رزق الرازقين في هذه الآية ، الذين زينوه بالرزق والسود ، وادّعوا صدق المقامات والكرامات ، وإنّ دم الكذب إشارة إلى من يدعي جراحة المحبة على