تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
، وتمام نعمته عليه أن بلغ إلى مقام التمكين ، ورؤية التحقيق ، وفاز من التلوين ، وذاق طعم الاستقامة ، وبلغ أشده إلى ما بلغ الذبيح والخليل ، وخروجه من درك امتحان العشق بنعت القدس والجارة ، كما كان وصف الأنبياء والصديقين . قال ابن هند : اجتباه ما منحه به من حسن الخلق ، ولطيف الصحبة مع أوليائه وأعدائه ، وترك الانتقام لنفسه بحال . وقال بعضهم : اجتباك ربك فصرف عنك كيدهن ، ولولا اجتباه لورد عليك منهن ما ورد . قال يحيي بن معاذ : من تمام نعمة اللّه على يوسف أن جعله منعما على إخوانه ، واضطرهم إلى الخضوع له والتذلل بين يديه بقوله :
إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ
. وقال سهل : ويتم نعمته عليك بتصديق الرؤيا التي رأيتها لك . وقال بعضهم : ويتم نعمته عليك في أن عصمك عن ارتكاب ما لا يليق بك ولابائك . وقال الأستاذ : من إتمام النعمة توفيق الشكر على النعمة ، ومن إتمام النعمة أن يصونك عن شهود النعمة برؤية المنعم ، فلما أعظم شأن يوسف في حسنه وجماله ، وقدسه وطهارته وظرافته مع إخوانه في احتمال البلاء منهم ، وترك الانتقام منهم لنفسه عظم اللّه ذلك .

[ تفسير الآية 7 ]

وقال :
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ
: آيات يوسف سواطع نور الحق من وجهه ، وظهور علوم الغيب في قلبه ، ومعرفته بذات اللّه وصفاته ، وكريم الآية ونعمائه ولطيف أفعاله وصنائعه ، وما وضع اللّه في النفس الأمارة من عظيم قهر شهواتها ، واستيلاء هواها ، وفترتها وشرتها ، ودقائق خدعتها ، ولطيفة ما بينها وبين طبائع الشياطين ، وحسن عاقبته ، وبلوغه إلى أهل التمكين ، وما بدا من إخوته من الغيرة والفرقة ، وهذه البراهين تذكرة وتبصرة للمريدين والمحبين العارفين . قال حمدون القصّار : للخلق في يوسف عليه السلام آيات ، وله في نفسه آية ، وهو أعظم الآيات ، وهو معرفته بمكر النفس وغدرها ، قال :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
. وقال بعضهم : إنّ من الآيات التي في يوسف أنه حجة على كل من حسّن اللّه خلقه ونعوته ألا يدنسه بمعصية . قال ابن عطاء : آياته ألا يسمع قصته محزون إلا استراح إليه ، وأخرج منه ما فيه راحة لما هو فيه . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 8 إلى 18 ] إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 8 ) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ( 9 ) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 10 ) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ( 11 ) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 12 ) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ( 13 ) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ( 14 ) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 15 ) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 )