قال يحيى بن معاذ : الصبر الجميل أن يتلقى البلاء بقلب رحيب ووجه مستبشر .
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 19 إلى 20 ]
وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 19 ) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ( 20 )
[ تفسير الآية 19 ]
قوله تعالى :
وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ
: فلما خرجت الأرواح من أماكن العدم وطارت في هواء القدرة وطلبت أنوار موارد القدم فوجدت قاموس الكبرياء ، فأدلت دلاء الهمم فيها ، فانكشف لها من مطالع الأزل شموس المشاهدة وأقمار العزة ، فلما ظفرت بموارد الحقيقة صاحت بصياح العشق وقالت : يا بشرى ، هذا شاهد القدم وعروس الأزل ، فوجدت شاهدها ، وفرحت بمشاهدته ، وطارت سكرانة في هواء آزاله وآباده من الفرح ببقاء ؛ لأنها وجدت بضاعة المعارف وريح الكواشف .
قوله تعالى :
وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً
: جعلت أنوار جلاله في صميم أسرارها ، وسترها عن الأغيار ، وجعلها بضاعة التوحيد والمعرفة والمحبة ؛ ليريح بها مداناة الوصال والاستئناس بالجمال ، يا ليت لسيادة يوسف عليه السلام لو عرفت ما في وجه يوسف عليه السلام من تلألؤ أنوار حسن الأزل لسجدت له ، كما سجدت الملائكة لأنه كالعبودية ، ولكن للعشق والمحبة ؛ لأنه شاهد اللّه في شاهد اللّه .
قال جعفر : كان للّه تعالى في يوسف عليه السلام سرّ ، فغطى عليهم موضع سرّه ، ولو كشف لهم عن حقيقة ما أودع فيه لماتوا ، ألا تراهم كيف قالوا :
هذا غُلامٌ
، ولو علموا آثار القدرة فيه لقالوا : هذا نبيّ وصدّيق « 1 » .
[ تفسير الآية 20 ]
ولما كشف للنسوة بعض الأمر :
وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
، ولما لم يعرفوه بخاصية النبوة والولاية ، ولم يروا عليه آثار جمال اللّه سبحانه باعوه بثمن بخس ؛ لجهلهم به وبما فيه من ودائع كنوز القدرة وأنوار المشاهدة ، والعلوم اللدنية الغيبية بقوله :
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ
.
ولو كان فيهم ما كان في يعقوب عليه السلام من عشق اللّه ومحبته ، وما رأى في مرآة وجهه من أنوار قدرة الباري سبحانه ، ما باعوه بالكونين والعالمين ؛ لأن ما في وجه يوسف عليه السلام من جمال الظاهر لم يكن في الكونين إلا في أمثاله من الأنبياء والصدّيقين ، وجمال ظاهره كان من جمال
هامش
( 1 ) نادى البشرى ، بشارة لنفسه ، أو لقومه ، كأنه قال : تعال هذا أوانك . وقيل : اسم لصاحبه ، ناداه ليعينه على إخراجه فأخرجوه . البحر المديد - ( 3 / 97 ) .