تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
واضمحلت العقول في بيداء ألوهيته من إدراك غوامض علمه . قال أبو يزيد في قوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
: إن اللّه احتجب عن القلوب ، كما احتجب عن الأبصار ، فإن أوقع تجليّا فالبصر والفؤاد واحد . وقيل : معناه أن اللّه يطّلع على الأبصار بالتجلي لها ؛ لأن الأبصار تسمو إليه . قال الحسين في قوله :
اللَّطِيفُ
« 1 » قال : لطف عن الكنه فأنّى له الوصف ؟ ! ومن لطفه ذكره لعبده في الدهور الخالية ؛ إذ السماء مبنية والأرض مدحية . قيل : سبق الوقت وإظهار الكونين وما فيها ، فهذا معنى لطيف . وقال القاسم : اللطيف الذي لم يدع أحدا يقف على ماهية سره ، فكيف الوقوف على وصفه ؟ ! قال ابن عطاء : لا تدركه الفهوم ، وأحاط بكل شيء علما . وروى أبو سعيد الخدري رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال في قوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
: « لو أن الجنّ والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفّا واحدا ما أحاطوا باللّه أبدا » « 2 » . وقال الجنيد : اللطيف من نوّر قلبك بالهدى ، وربّى جسمك بالغذاء ، وجعل لك الولاية في البلوى ، ويحرسك وأنت في اللظى ، ويدخلك جنة المأوى . وقيل : اللطيف الذي إن دعوته لبّاك ، وإن قصدته آواك ، وإن أحببته أدناك ، وإن أطعته كفاك ، وإن عصيته عافاك ، وإن أعرضت عنه دعاك ، وإن أقبلت إليه هداك . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 104 إلى 106 ] قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 104 ) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 105 ) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106 )
هامش
( 1 ) اللطيف من يعطي قدر الكفاية ، وفوق ما يحتاج العبد إليه ، ويقال : من لطفه بالعبد علمه بأنه لطيف ، ولولا لطفه لما عرف أنه لطيف ، ويقال : من لطفه أنه أعطاه فوق الكفاية ، وكلّفه دون الطاقة ، ويقال : من لطفه بالعبد إبهام عاقبته عليه ؛ لأنه لو علم سعادته لاتّكل عليه ، وأقلّ عمله ولو علم شقاوته لأيس ولترك عمله ؛ فأراده أن يستكثر في الوقت من الطاعة ، ويقال : من لطفه بالعبد إخفاء أجله عنه ؛ لئلا يستوحش إن كان قد دنا أجله ، ويقال : من لطفه بالعبد أنه ينسيه ما عمله في الدنيا من الزلّة ؛ لئلا يتنغّص عليه العيش في الجنة ، ويقال : اللطيف من نوّر الأسرار ، وحفظ على عبده ما أودع قلبه من الأسرار ، وغفر له ما عمل من ذنوب في الإعلان والإسرار [ تفسير القشيري ( 7 / 177 ) ] . ( 2 ) رواه العقيلي في الضعفاء ( 1 / 140 ) .