تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
خلقه . قيل : هو المبدع للأشياء والمبدي لها . وقال بعضهم : فاق الأشياء جمالا وكمالا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 102 إلى 103 ] ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 102 ) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) قوله تعالى :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ
لمّا وصف تعالى نفسه بالقدرة الكاملة في خلق الكون ، وعرّفهم نفسه بإظهار الآيات ، ونفى عن نفسه علّة الحدثان ، وعرّفهم بتنزيه صفاته ، وإفراد ذاته وصفاته من بين الأضداد والأنداد ، ووصف جلاله بالوحدانية الأزلية ، وعرّفهم قدس ذاته وصفاته بخطابه معهم بوصف تلك النعوت ، ألزمهم بعد ذلك العبودية صرفا بقوله :
فَاعْبُدُوهُ
أي : اعبدوا من هذا وصفه ، ولا تتكلموا إلى غيره ، فإن الكون وما فيه خاضع لعظمته بعد أن كان في قبض عزته ، لا يضرّ ولا ينفع إلا بمشيئته الأزلية ، وإرادته القديمة ، وهذا معنى قوله تعالى :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
أي : أنا ملجأ الكل ، ومفزع ذوي الحاجات ، ومناص صواحب العاهات . قال الأستاذ في الآية : تعرّف عليهم بآياته ، ثم تعرّف إليهم بصفاته ، ثم كاشفهم بحقائق ذاته بقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
تعريف السادة والأكابر ، وقوله :
خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
تعريف العوام والأصاغر . ثم وصف نفسه عقيب الآية بالتنزيه عن إحاطة أبصار الحدثان به ، وعجزهم في حواشي ساحات كبريائه عن درك مكنون أسرار قدمه ، وإحاطة علمه ، وقدرته بجميع زلات الوجود . قوله :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
لا تدركه الأبصار إلا بالإبصار ، مستفادة من أبصار جلاله ، وكيف يدركه الحدثان ووجود الكون عند ظهور سطوات عظمته عدم ؟ !
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
ببصره القديم المنزّه عن المشابهة بالحدثان ، بأن يكسوها أنوار صفاته لتراه لا بنفسها ؛ لأنه بلطف ذاته ممتنعق عن مطالعة خلقه مع علو شأن علمه وإحاطته بجميعهم وجودا وعدما بقوله تعالى :
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
من لطف جماله انجذاب القلوب بنعت العشق إلى ضياء وجهه الكريم عجزا واضطرارا ، من لطفه غرقت الأرواح في بحار محبته ، وفنيت الأسرار في فضاء هويته ، ودهشت القلوب في معارك أشواقه ،
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 388 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )