[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 107 ]
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 )
قوله تعالى :
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها
منّ اللّه سبحانه على عباده بمجيء بصائر آياته التي تبرز نعوت الأزلية منها ، وكلماته التامات التي تتجلى لذوي الحقائق منها ، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم اللّه وجهه : « إنّ اللّه تعالى يتجلى لعباده في القرآن » ، وبتلك البصائر كحّل اللّه أبصار العارفين كحل أنوار صفاته وسنا سبحات ذاته ، فمن كان له استعداد النظر إليها بنعت البصيرة وجد طريق الرشد لنفسه ، ومن ليس له استعداد النظر والبصيرة صار محتجبا من رؤية صفائح القدس في الآيات ، وصحائف الأنس في الكلمات .
قال الخواص : أنزل اللّه البصائر ، فطوبى لمن رزق بصيرة منها ، وأدنى البصائر أن يبصر الإنسان رشده .
قوله تعالى :
وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
صرف اللّه فهم خطابه عن قلوب الأعداء ، وفسح لطائفها وحقائقها للأولياء ؛ لأن خطاب الحبيب لا يعرفه إلا الحبيب يلطف بأهله ؛ حيث وهبهم فهم كلامه ، حتى أدركوا بمواهبه السنية التي أودعت قلوبهم أنوار الغيوب والعلم بإدراك مكنون خطابه ؛ لذلك منّ على الموصوفين بهذه الصفة بقوله :
وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
أي : لقوم يعرفون قدرتي ويفهمون خطابي ، لا لمن لا يعرف مكان خطابي ومرادي من كلامي .
قال ابن عطاء : القوم يعلمون حقيقة البيان ، وهو الوقوف معه حيثما وقف ، والجري معه حيثما جرى ، لا يتقدمه بغلبة ولا يتخلف عنه لعجز .
قوله تعالى :
اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
لمّا ذكر تعالى بيانه لعموم أهل العلم لمتابعتهم أمره خصّ عليه السلام بما بينهما من أسرار الربوبية ولطائف المحبة وحقائق الانبساط في المقامات والحالات ، وأفرده بها عن جميع الخلق ؛ حيث لا طاقة للخلق لمطالعة تلك الأسرار ، ولا قوة لهم لحمل واردات تلك الأحوال غير النبي صلى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنه مؤيد بالقوة الأزلية والنصرة الأبدية .
قال تعالى :
اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
أي : استعد لحمل واردات سطوات الألوهية ، وجذبات أنوار نعوته الأبدية ، وإنها خاصة لك ، ألا ترى كيف وصف نفسه له في وسط الآية بالفردانية والتنزيه عن أشكال الخليقة بقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
أي : هو بوصفه تجلى لك بنعته ووصفه حيث كنت ، خلقت بنعت استعداد تحمل ظهور الأزلية ، وإذا كنت كذلك أنت لا تليق بالمشيرين إلى غيره ، فأنت أعزّ وأفضل من أن يكون معك في هذا المقام