تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
قلبه عن مشاهدة اللّه كيف يراها في آثار اللّه ؟ ! وآياته في السماوات والأرض ، وفي وجوه أنبيائه وأوليائه ، حيث أشرقت بحسن وقوع تجليها وظهور سناها بما فيها ، ويزيد على عمائه عمى ؛ لأنه موسوم بسمة البعد في الأزل ، غير مقبول إلى الأبد . قال النصر آبادي : آياته في خلقه أولياؤه ، وأهل صفوته . قوله تعالى :
وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
طلبوا رؤية الملائكة عيانا ، وليسوا هم أهل ذلك ، ولو كانوا أهل الحقيقة لرأوا في وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ما لم يكن في وجوه أهل الملكوت من سنا إشراق صفات نور الأزل ؛ لأنّه كان مشكاة نور الذات والصفات ؛ لقوله سبحانه :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ
[ النور : 35 ] ، ولكن كيف يرون ذلك ، وهم عيان في ظلمات ظلال القهريات ؟ قال تعالى :
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
[ الأعراف : 198 ] . والإشارة في قوله تعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
أن المريدين لم يروا أهل الملكوت إلا بالمثال الحسي ؛ لأنهم في ضعف عن رؤية ماهيتها ، ولو يرون الملك لم يروه إلا في صورة الآدمي الذي هو موقع الالتباس .
وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
« 1 » معناه : أريناهم رؤية أهل الغيب في اللباس الإنساني بغير وقوفهم على صفات الروحاني ؛ لأنّهم أهل التلبيس في المعاملات ؛ حيث وقعوا في ورطة الفترة ، ويدعون مقام أهل الاستقامة . وأصل البيان في ذلك أي : خلطنا عليهم ما يخلطون ، حتى لا يعلموا سبيل خداعهم كما يريدون ، ويرجع كيدهم على أعناقهم ، ويسيروا في ظلمات التردد ، ولا يعلموا نكاية كيدهم عند الأولياء والصديقين .
هامش
( 1 ) قال ابن عجيبة : أي : لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم ، أو لفعلنا لهم في ذلك فعلا ملبسا يطرق لهم إلى أن يلبسوا به على أنفسهم وضعفائهم ؛ فإن عادة اللّه في إظهار قدرته أن تكون مرتدية برداء حكمته ؛ ليبقى سر الربوبية مصونا ، فمن سبقت له العناية خلق اللّه في قلبه التصديق بها ، حتى علمها ضرورة ، وغيره يلبس الأمر عليه فيها . وكرامات الأولياء كمعجزات الأنبياء ، لا تظهر إلّا لأهل الصدق والتصديق ، ولا يتحقق بولايتهم إلّا من سبق له الوصول إلى عين التحقيق : « سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه » ، فأهل الإنكار عليهم لا يرون إلا ما يقتضي البعد عنهم ، وأهل الإقرار لا يرون إلا ما يقتضي القرب منهم والمحبة فيهم ، واللّه تعالى أعلم [ البحر المديد ( 2 / 126 ) ] .
عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 347 | أحمد فريد المزيدي / روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )