تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عرائس البيان في حقائق القرآن — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
وسئل الواسطي : الحكمة في إظهار الكون وقوله :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
؟ قال : لا حاجة له إلى الكون ؛ لأن فقد الكون ظهوره ، وظهوره فقده عنده ، فإن قيل إظهارا للربوبية . قيل : ربوبيته كانت ظاهرة ، ولم تظهر ربوبيته لغيره . قيل : لأنه لا طاقة لأحد في ظهور ربوبيته ، بل أظهر الكون ، وحجب الكون بالكون لئلا تظهر لأحد الربوبية فتطمس ؛ لأن الحق في الحكمة لا يحتمله إلا الحق . وسئل بعضهم ما الحكمة في إظهار الكون ؟ قال : ارتفاع العلّة ، فإذا ارتفعت العلّة ظهرت الحكمة بإظهار الكون ، إن اللّه سبحانه كان موصوفا بالعلم الأزلي ، وكان في علمه كون الكون كما هي ، فأظهر الكون بسابق علمه في ذاته ، وإرادته السابقة في الأزل بوجود الكون ، وكيف لا يظهر الكون والعلم والإرادة سابقان في الأزل بإيجاده ، فإذا بقاء الكون في العدم مستحيل . وأيضا : ذاته تعالى معدن صفاته ، وصفاته معدن فعله ، فظهرت فوائد الذات في الصفات ، وظهرت فوائد الصفات في الفعل ، كانت قدرته المنزّهة حاملة الأفعال ، فوضعتها بالإرادة القديمة في أخصّ زمان ؛ لقوله :
يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ التوبة : 36 ] . وأيضا : كان في الأزل عاشقا مشتاقا إلى المشتاقين إليه ؛ ليظهر كنوز جلال الذات ، وجمال الصفات بنعت التعريف لأحبائه ؛ لقوله سبحانه : « كنت كنزا مخفيّا ، فأحببت أن أعرف » « 1 » ، فسبب إظهار الكون شرفه إلى جمال المشتاقين ومحبته السابقة للمحبين . قال الأستاذ في قوله :
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
:
الَّذِي
إشارة و
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
عبارة ، فاشتغلت الأسرار بسماع الذي تحققها بوجوده ، ودوامها بشهوده ، واحتاجت القلوب عند سماع
الَّذِي
إلى سماع الصلة ؛ لأن
الَّذِي
من الأسماء الموصولة لكون القلوب تحت ستر الغيب ، فقال :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
، وبانت لي إشارة : أن قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
ظاهر الألوهية لأهل العبودية ، وقوله :
الَّذِي
باطن المشاهدة لأهل المحبة ، لأن المحبة والمشاهدة من لطائف الأسرار ، فأشار إليها بلفظ الغيبة . قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ
السماوات جسد ، وقلب ذلك الجسد الأرض ، وأن اللّه سبحانه خصّ قلب السماوات بإشراق جلاله فيه بقوله :
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها
[ الزمر : 69 ] ، ومن تلك الخاصية خلق صورة آدم عليه السلام من قلب العالم فكان قلبيّا
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .