في مناظر آياته في النهار ، ولطائف صنع صفاته ، حيث تخلصت من رؤية أعلام عظمته وكبريائه ، أي : له هذه القلوب العاشقة ، والأفئدة المتحيرة لا لغيره من الحدثان ، خصّها لنفسه ، والنظر إلى مشاهدته .
ومعنى قوله :
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
يسمع أنينها في شوقه ، ويعلم ضمائرها المحزونة نداء جماله .
قال محمد بن علي الكناني : اختصّ الحق بقلوب العارفين لسكونها إليه ؛ فقال :
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
كيف لا يسكن إلى الحق ، ولدغات الحقيقة بقصده ، وهو موضع النظر ؟ .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 14 إلى 18 ]
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 14 ) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 16 ) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 ) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 18 )
قوله تعالى :
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : كيف أتخذ أحدا بالمحبة دونه ، وليس له صفة القدم التي أغارت قلوب أوليائه بحسن تجليها ؟ ! وكيف أتخذ بالولاية محدثا لا يقدر على أن يمنع عني علّة الحجاب بيني وبينه ، حيث الكل حاجز في أمر مشيئته وملك جلاله ؟ !
ألا ترى إشارته تعالى إلى ذلك بقوله :
فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : الكل ملكه ، فكيف ألجأ من ملكه إلى ملكه ، وعلّة الملك في المالك متلاش بقوله :
وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ
.
قال الجوزجاني : أأبغي سواه ملجأ ، وقد سهّل إليّ السبيل إليه ؟ !
وقال غيره : أسواه أستكفي ، وهو الذي يكفيني الهم في الدارين ؟ !
وقوله تعالى :
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ
أي : أمرني حين كنت جوهر فطرة الكون ، حيث لم يكن غيري في الحضرة أن أكون أول الخلق له في المحبة والعشق والمعشوق ، وأول الخلق له منقادا بنعت محبتي له ، راضيّا بربوبيته ، غير منازع لأمر معيشته .
قال بعضهم : أكون أول من انقاد للحق إذا ظهر .
وقال ابن عطاء : إن أكون من الخاضعين لما يبدو من مبادئ القدرة .
وقال جعفر عليه السلام : من الراضين بموارد القضاء .