تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تنزيه الأنبياء عما نسب اليهم حثالة الأغبياء — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
وعلى هذا مضت العادات وتناصرت الحكايات ، ولولا قصد الاختصار لأسمعتك في هذا الشّأن أخبارا وأشعارا عن ظرفاء المحبّين المتديّنين ، وأهل الهمم من فتيان العرب . فقد قيل : إنّ قيس بني عامر « 1 » تعرّضته ليلى بأرض فلاة فقالت له : ها أنا بغيتك ومثار فتنتك ، ليلى ! جئتك ولا رقيب ولا واسطة ، فاقض ما أنت قاض ! . فقال لها : بي منك ما شغلني عنك ! ثمّ سار وتركها . فهذا من ظرفاء المحبّين . وآخر رأى غبار ذيل « 2 » محبوبه فغشي عليه فهذا أظرف منه ، إلى غير ذلك . وجاء في الأثر : أنّ عليا - كرّم اللّه وجهه - كانت له جارية تتصرّف في أشغاله . وكان بإزائه مسجد فيه قيّم ، فكانت متى مرّت به تلك الجارية قال لها : أما إني أحبّك ، فشقّ عليها ذلك فأخبرت عليّا - رضي اللّه عنه - بذلك ، فقال لها : إذا قال لك ذلك فقولي له : وأنا أحبّك فأيش تريد بعد هذا « 3 » ؟ ! . فلمّا مرّت به قالت له ذلك ، فقال : نصبر حتّى يحكم اللّه بيننا ، فلمّا أخبرت عليا - عليه السّلام - بما قال لها دعا به وقال له : خذها إليك فقد حكم اللّه بينكما ! فهذا شأن الظّرفاء والمتديّنين من المحبّين .
هامش
( 1 ) قيس بن الملّوح العامري ، أحد بني عامر بن صعصعة ، ومن مشاهير عشّاق العرب ، عشق ليلى بنت مهدي العامريّة ، وكان يرعى الغنم منذ الصّغر عند جبل يقال له ( التّوباد ) ، وقال فيها الشعر ، وذاع شعره فمنعه أهلها الاقتراب من ديارهم واستعدوا عليه الوالي ، فأهدر دمه إن زارها ، وخطبها فرفض أبوها ، وزوّجها من رجل غنيّ من ثقيف فاختلط قيس ، فكان يجيء جبل التوباد فيقيم به ثمّ يهيم على وجهه ، ثم وجد ميتا في أحد الأودية ، وللمجنون ديوان شعر مطبوع بتحقيق الأستاذ عبد الستّار فرّاج - رحمه اللّه - نشرته مكتبة مصر - القاهرة . ( 2 ) غبار ذيل ثوبها ، فقد كانت تجرّ الثوب نعمة وخيلاء ! . ( 3 ) فأيش : فأيّ شيء . ( وهذا اختصار قديم من باب النّحت ) .