وذلك أنّ الإنعام هاهنا إنّما هو في أن وهبه « 1 » اللّه تعالى إيمانا لا يفارقه إلى الممات ، إذ لو كان في معلوم اللّه تعالى أن يسلبه إيّاه عند الوفاة لم يسمّه نعمة ، فإنّ ثمرة الإيمان إنما تجتنى في الآخرة ، وإيمان زائل لا ثمرة له في الآخرة لا يسمّى نعمة بل هو نقمة . كإيمان بلعم بن باعورا « 2 » وغيره من المخذولين المبدّلين ، نعوذ باللّه من بغتات سخطه .
فخرج من فحوى ذكر هذه النّعمة أنّ زيدا يموت مؤمنا ، فكان ذلك وزيادة أنه مات أميرا شهيدا مقدما بين الصّفّين ، في يوم مؤتة ، كان قد قدّمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الجيش في حديث يطول ذكره ، ثم قتل شهيدا ، فنزل الوحي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال « 3 » : « أخذ الرّاية زيد فأصيب » ، إلى قوله :
« لقد رفعوا لي في الجنّة على أسرّة من ذهب » . الحديث .
فهذه معجزة صحّت له - عليه السّلام - من باب الإخبار بالغيوب ، فوقعت بمحضر الأشهاد كما أخبر عنها ، كما وقع نقيضها في قصّة أبي لهب « 4 » حيث أخبره ربه في قرآن يتلى أنّه من أهل النّار ، ومات كافرا فكان ذلك .
هامش
( 1 ) قول المؤلف رحمه اللّه تعالى ( أن وهبه اللّه تعالى إيمانا . . ) المقصود هنا زيد رضي اللّه عنه أي : أن وهب والده زيدا إيمانا لا يفارقه . . . إلخ .
( 2 ) بلعام بن باعوراء كان أيام موسى عليه السّلام ، قال القرطبي 7 / 319 كان في مجلسه اثنتا عشرة ألف محبرة للمتعلّمين الذين يكتبون عنه . ثم صار بحيث أنه كان أول من صنّف كتابا في أن : ليس للعالم صانع ! وقال مالك بن دينار : بعث بلعام بن باعوراء إلى ملك مدين ليدعوه إلى الإيمان فأعطاه الملك وأقطعه فاتّبع دينه وترك دين موسى ، ففيه نزلت هذه الآيات ( يعني الآيات 175 - 177 من سورة الأعراف ) .
( 3 ) في مسند الإمام أحمد 3 / 1113 و 118 ، ولم ترد في العبارة : « لقد رفعوا لي في الجنّة على أسرّة من ذهب » .
- وانظر الخبر مطوّلا في السّير والمغازي لابن كثير 3 / 445 وما بعدها ، الواقدي 755 .
( 4 ) في سورة تبت يدا أبي لهب .
- في تفسير القرطبي 20 / 237 سئل الحسن البصري عن قوله تعالى :تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍهل كان في -