تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١

[ الليلة المباركة ، ووحي الفرقان ووحي القرآن : ]

بدأ بالجمع الذي هو كل شيء . واعلم أن اللّه أنزل الكتاب فرقانا في ليلة القدر ليلة النصف من شعبان ، وأنزله قرآنا في شهر رمضان ، كل ذلك إلى السماء الدنيا ، ومن هناك نزل في ثلاث وعشرين سنة فرقانا نجوما ذا آيات وسور ، لتعلم المنازل وتتبين المراتب ، فمن نزوله إلى الأرض في شعبان يتلى فرقانا ، ومن نزوله في شهر رمضان يتلى قرآنا ، والليلة المباركة هي ليلة القدر الموافقة ليلة النصف من شعبان المخصوصة بالآجال ، وكما سبق أن ذكرنا في تفسير قوله تعالى
( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ )
أن الوحي وحيان : وحي القرآن وهو الأول ، ووحي الفرقان ، فإنه تعالى أشار في هذه الآية بقوله :
« إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ »
ولم يقل بعضه ، ثم قال .

[ سورة الدخان ( 44 ) : آية 4 ]

فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( 4 ) وهذا هو وحي الفرقان ، فالأمر ينزل إليها عينا واحدة ، ثم يفرق فيها بحسب ما يعطيه من التفاصيل ، كما تقول في الكلام إنه واحد من كونه كلاما ، ثم يفرق في المتكلم به - بحسب الأحوال الذي يتكلم به - إلى خبر واستخبار وتقرير وتهديد وأمر ونهي ، وغير ذلك من الكلام مع وحدانيته ، فقوله تعالى
« فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ »
أي محكم ، فتظهر الحكم - في التوحيد الآتي - التي جاءت بها الرسل الإلهيون ونطقت بها الكتب الإلهية ، رحمة بعباد اللّه عامة وخاصة ، فكل موجود يدركها ، وما كل موجود يعلم من أين صدرت ، فهي عامة الحكم خاصة العلم ، إذ كانت الاستعدادات من القوابل مختلفة

- إشارة

-
« إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ »
لأهل السعة والمحققين والمعتبرين ، فإن أكثر الفتح عند هؤلاء هو أن يكشف للعبد عن نسخة القرآن في عالم الإنسان ، فعلى هذا الاعتبار قول اللّه تعالى :
( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ )
و
« فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ »
فهي في التفسير الظاهر ليلة القدر ، وفي اعتبار هؤلاء ، هي نفس المؤمن إذا صفت وزكت ، ولهذا قال :
« فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ »
وقلبه في الاعتبار السماء الدنيا التي نزل إليها القرآن مجموعا ، فعاد فرقانا بحسب المخاطبين ، فالإنسان الكامل كالأنبياء ومن تحقق بإرثهم ، هو القرآن العزيز على الحقيقة ، نزل من حضرة نفسه إلى حضرة موجده ، وهي الليلة المباركة ، لكونها غيبا ، والسماء الدنيا حجاب العزة الأحمى الأدنى إليه ، ثم جعل هناك فرقانا ، فنزل نجوما بحسب الحقائق الإلهية ،