[ سورة لقمان ( 31 ) : آية 16 ]
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 )
[ الرزق مضمون وهو لمن يأكله لا لمن يجمعه - تنبيه ]
ينبه الحق بهذه الآية على أن الرزق مضمون ، لا بد أن يوصله للعبد ، فإن رزقه ورزق عياله لا بد أن يأت به اللّه ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : [ لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها ] كما أنه لن تموت نفس حتى يأتيها أجلها المسمى ، وسواء كان الرزق قليلا أو كثيرا ، فيقول لقمان لابنه :
« يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ »
أي أينما كانت مثقال هذه الحبة من الخردل لقلتها بل خفائها
« فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ »
أي عند ذي قلب قاس لا شفقة له على خلق اللّه ، قال تعالى :
( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً )
روي في النبوة الأولى أن للّه تعالى تحت الأرض صخرة صماء ، في جوف تلك الصخرة حيوان لا منفذ له في الصخرة ، وأن اللّه قد جعل له فيها غذاء ، وهو يسبح اللّه ويقول : سبحان من لا ينساني على بعد مكاني ؛ يعني من الموضع الذي تأتي منه الأرزاق ، لا على بعد مكانها من اللّه
« أَوْ فِي السَّماواتِ »
بما أودع اللّه في سباحة الكواكب في أفلاكها من التأثيرات في الأركان لخلق أرزاق العالم أو الأمطار أيضا ، فإن السماء في لسان العرب : المطر ، قال الشاعر :
إذا سقط السماء بأرض قوم ؛ يعني بالسماء هنا المطر
« أَوْ فِي الْأَرْضِ »
بما فيها من القبول والتكوين للأرزاق ، فإنها محل ظهور الأرزاق ، كذلك الكوكب يسبح في الفلك وعن سباحته يكون ما يكون في الأركان الأمهات من الأمور الموجبة للولادة ، فأينما كان مثقال هذه الحبة
« يَأْتِ بِهَا اللَّهُ »
ولم يقل يأت إليها ، ومن هذا يستدل أن صاحب الرزق من يأكله لا من يجمعه ، فإن اللّه يأتي به ، فهو تعالى الآتي برزقك إليك حيث كنت وكان رزقك ، فهو يعلم موضعك ومقرك ويعلم عين رزقك
« إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ »
أي هو أخفى أن يعلم ويوصل إليه - أي إلى العلم به - من حبة الخردل
« خَبِيرٌ »
للطفه بمكان من يطلب تلك الخردلة منه ، لما له من الحرص على دفع ألم الفقر عنه ، فإن الحيوان ما يطلب الرزق إلا لدفع الآلام لا غير - تنبيه - نبهنا اللّه بهذا التعريف لتأتيه أنت بما كلفك أن تأتيه به ، فإنك ترجوه فيما تأتيه به ولا يرجوك فيما أتاك به ، فإنه غني عن العالمين وأنت من الفقراء إليه ، فإتيانك إليه بما