تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
فأدخل الحق العالم كله أجمع تحت تسخير هذا الإنسان الأرفع ، فما من ملأ أعلى إلا به مستعل ، وما من ملأ أدنى إلا يتضرع إليك ويبتهل ، فهم بين مستغفر لك ومصلّ عليك ، وملك سلام يوصله من الحق تعالى إليك ، وإذا كان السيد الحق يصلي عليك فكيف بملائكته ؟ وإذا كان ناظرا إليك فما ظنك بخليقته ؟ وما من فاكهة ونعمة عند تناهيها إلا متضرعة لك خاضعة أن تؤدي لك ما أودع اللّه من المنافع فيها ، فما في الوجود كله حقيقة ولا دقيقة إلا ومنك إليها ومنها إليك رقيقة ، فانظر أين مرتبتك في الوجود ؟ فالعالم كله على الحقيقة أيها الإنسان تحت تسخيرك ، إذ سلم من نظرك وتدبيرك ، فإن كل شيء خلقه اللّه للإنسان ومن أجله وسخر له ، لما علم اللّه من حاجته إليه ، فهو فقير إلى كل شيء ليس له غنى عنه ، ولذلك استخدم اللّه له العالم كله ، فما من حقيقة صورية في العالم الأعلى والأسفل إلا وهي ناظرة إلى هذا الإنسان نظر كمال ، أمينة على سر أودعها اللّه إياه لتوصله إليه
« وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً »
كل نعم اللّه عظيمة ظاهرة وباطنة ، فظاهرة ما شوهد منها ، وباطنة ما علم ولم يشهد ، وظاهرة التعظيم عرفا وباطنة التعظيم عند أهل اللّه وأهل النظر المستقيم مما ليس بعظيم في الظاهر ، فلا أرى شيئا ليس عندي بعظيم ، لأني انظر بعين اعتناء اللّه به حيث أبرزه في الوجود ، فأعطاه الخير ، فليس عندنا أمر محتقر ، فالكل نعمته ظاهرة وباطنة ، وقد أسبغها على عباده ، وكم من نعمة للّه أخفاها شدة ظهورها ، واستصحاب كرورها على المنعم عليه ومرورها ، ومن النعم الباطنة المعارف والعلم به .

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 21 إلى 22 ]

وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ( 21 ) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ( 22 )
« وَمَنْ يُسْلِمْ »
وهو الإسلام والانقياد الذاتي للعبد ، لأنه تعالى قال
« وَجْهَهُ »
ووجه الشيء حقيقته وذاته
« إِلَى اللَّهِ »
وجاء هنا بالاسم اللّه ، لأن اللّه قد عصم هذا الاسم أن يسمى به غير اللّه ، فلا يفهم منه عند التلفظ به وعند رؤيته مرقوما إلا هوية الحق لا غير
« وَهُوَ مُحْسِنٌ »
أي فعل ذلك عن شهود منه ، لأن الإحسان أن ترى ربك في عبادتك ،