اعلم أن الذات الإلهية منزهة عن أن يكون لها بعالم الكون والخلق والأمر مناسبة أو تعلق بنوع ما من الأنواع ، لأن الحقيقة تأبى ذلك ، مع كون أصل الأشياء كلها وجود الحق تعالى ، إذ لو لم يكن هذا الأصل الإلهي موجودا ، والحق المخلوق به معقولا ، لما صح هذا الفرع المحدث الكائن بعد أن لم يكن ، ولما تصور ، فإذا نظرنا العالم على ما هو عليه ، وعرفنا حقيقته ومورده ومصدره ، ونظرنا ما الحاكم المؤثر في هذا العالم ، نجد أن الأسماء الحسنى ظهرت في العالم كله ظهورا لا خفاء به كليا ، وحصلت فيه آثارها وأحكامها لا بذواتها ولكن بأمثالها لا بحقائقها لكن برقائقها .
[ بدء الخلق : إيجاز البيان بضرب من الإجمال ]
إيجاز البيان بضرب من الإجمال : بدء الخلق الهباء وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية ، ولا أين يحصرها لعدم التحيز - ومم وجد ؟ وجد من الحقيقة المعلومة التي لا تتصف بالوجود ولا بالعدم - وفيم وجد ؟ في الهباء - وعلى أي مثال وجد ؟ على الصورة المعلومة في نفس الحق - ولم وجد ؟ لإظهار الحقائق الإلهية ، فأوجد العالم سبحانه ليظهر سلطان الأسماء ، فإن قدرة بلا مقدور ، وجودا بلا عطاء ، ورزّاقا بلا مرزوق ، ومغيثا بلا مغاث ، ورحيما بلا مرحوم ، حقائق معطلة التأثير - وما غايته ؟ التخلص من المزجة فيعرف كل عالم حظه من منشئه من غير امتزاج ، فغايته إظهار حقائقه ، ومعرفة أفلاك الأكبر من العالم وهو ما عدا الإنسان ، والعالم الأصغر يعني الإنسان ، روح العالم وعلته وسببه