تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
وقد ورد في الصحيح ليس شيء أحب إلى اللّه من أن يمدح ، والمدح بالتجاوز عن المسئ غاية المدح ، فاللّه أولى به تعالى ، والصدق في الوعد مما يتمدح به ، فقال تعالى
« فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ »
فذكر الوعد ، فالثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد ، والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات ، فيثنى عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد ، بل بالتجاوز ، قال تعالى :
( وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ )
مع أنه توعد على ذلك ، وأخبر عن الإيعاد في تمام الآية بقوله :
« إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ »
وقال في الوعيد بالمشيئة وفي الوعد بنفوذه ولا بدّ ، ولم يعلّقه بالمشيئة في حقّ المحسن ، لكن في حقّ المسئ علّق المشيئة بالمغفرة والعذاب ، واللّه عند ظن عبده به ، فليظن به خيرا ، والظن هنا ينبغي أن يخرج مخرج العلم
« إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ »
لما كان الانتقام من رحمة المنتقم بنفسه في الخلق ، قال اللّه تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ »
عن مثل هذا
« ذُو انتِقامٍ »
.

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 48 ]

يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 48 ) - الوجه الأول - كما كان في أول الخلق أن الأرض خلقت قبل السماء في ترتيب وجود خلق العالم ، كذلك لما وقع التبديل ابتدأ بالأرض قبل السماوات ، فوقف الخلق على الجسر دون الظلمة ، وبدل الأرض غير الأرض ، لا في الصفة ، فلو كان في الصفة ما ذكر العين ، فبدل الأرض والسماء في العين - الوجه الثاني - تبدل الأرض كيف شاء سبحانه إما بالصورة وإما بأرض أخرى ما نيم عليها تسمى بالساهرة - الوجه الثالث - إذا بدلت السماء والأرض فإنما يقع التبديل في الصور لا في الأعيان ، فقوله تعالى :
« يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ »
التبديل في الصفة لا في العين ، فتكون أرض صلاح لا أرض فساد ، وتمد مد الأديم فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا
« وَالسَّماواتُ »
هنا هي السماوات المعروفة ، وهي السبع السماوات خاصة ، لا السماء ذات البروج ، ولا فلك المنازل الذي هو سقف النار ، فإن ما دون فلك المنازل يخرب نظامه وتبدل صورته ويزول ضوء كوكبه
« وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ »
.

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 49 ]

وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 49 )
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 443 | ابن عربي / محمود محمود الغراب