تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
به ، وله القبول والردّ بحسب ما سبق به الكتاب ، وقضى به الخطاب ، فمنهم شقي وسعيد ، كما كان من القرناء مقرّب وطريد ، فهو لمن أجاب وعلى اللّه تبيان الخطأ من الصواب ، والحق وصف نفسه بالرضى والغضب فقال :
« يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ »
بالغضب ، والغضب زائل
« وَسَعِيدٌ »
بالرضى ، والرضى دائم .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 106 ]

فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 106 ) جعلت دار جهنم دار كل شقي ، وسمي هؤلاء أشقياء لأنهم أقيموا فيما يشق عليهم ، وهو المخالفة
« لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ »
فرط التولع علة في وجود الزفرة ، ولهذا جاء في وصف جهنم ، أن لها زفيرا وشهيقا لفرط تولّعها بمن يحصل فيها من الكفار ، لأنها عاشقة في الانتقام من أعادي محبوبها ، وهو الحق سبحانه وتعالى .

[ سورة هود ( 11 ) : آية 107 ]

خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 107 )

[ خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ]

« خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ »
يريد المدة التي كانت الأرض عليها من يوم خلقها اللّه إلى يوم التبديل ، وكانت العرب التي نزل القرآن بلسانها ، تطلق هذه اللفظة وتريد بها التأبيد ، وهي منقطعة بالخبر الإلهي ، وتعريف النبي صلّى اللّه عليه وسلم
« إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ »
بما يرزقون في النار من اللذة والنعيم
« إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ »
فيقع الاستثناء في قوله
« إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ »
من زوال صورتهما ، إذ كانت السماء سماء والأرض أرضا ، فإنا نعلم أن جوهر السماء ، هو جوهر الدخان وتبدلت عليه الصور ، فالجوهر الذي قبل صورة الدخان هو الذي قبل صورة السماء ، كما قبل جوهر الطين والحجر صورة البيت ، فإذا انهدم البيت ويبس الطين ، ذهبت صورة البيت والطين ، وبقي عين الجوهر وكذلك العالم كله بالجوهر واحد ، وبالصور يختلف ، فاعلم ذلك ، فيكون الاستثناء في حق أهل النار لمدة عذابهم ، واعلم أنه من سبق رحمته تعالى غضبه أن النار ينزل فيها أهلها بالعدل من غير زيادة ، والجنة ينزل فيها أهلها بالفضل فيرون ما لا تقتضيه أعمالهم من النعيم ، ولا يرى أهل النار من العذاب إلا قدر أعمالهم من غير زيادة ولا رجحان إلى أن يفعل اللّه بهم ما يريد بعد ذلك ، ولذلك