تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
وفي مواضع لم يقيد العذاب بالأليم وأطلقه فقال :
( لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ) *
يعني وإن زال الألم فإن السكنى لأهل النار في النار لا يخرجون منها كما قال تعالى
« خالِدِينَ فِيها » *
يعني في النار ، وقال في أهل السعادة
« خالِدِينَ فِيها » *
يعني في الجنة ، ولم يقل فيه فيريد العذاب ، فلو قال عند ذكر العذاب خالدين فيه ، أشكل الأمر ، ولما أعاد الضمير على الدار ، لم يلزم العذاب ، فإن قال قائل : فكذلك لا يلزم النعيم كما لم يلزم العذاب ، قلنا : وكذلك كنا نقول : ولكن لما قال اللّه تعالى : في نعيم الجنة إنه عطاء غير مجذوذ ، أي عطاء غير مقطوع ، وقال : لا مقطوعة ولا ممنوعة ، لهذا قلنا بالخلود في النعيم والدار ، ولم يرد مثل هذا قط في عذاب النار ، فلهذا لم نقل به وما ورد في العذاب شيء يدل على الخلود فيه ، كما ورد في الخلود في النار ، ولكن العذاب لا بد منه في النار وقد غيب عنا الأجل في ذلك ، وما نحن من جهة النصوص على يقين ، إلا أن الظواهر تعطي الأجل في ذلك ، ولكن كميّته مجهولة ، لم يرد بها نص ، ولا نص يعارض ونبقى نحن مع قوله تعالى :
« إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ »
وأي شيء أراد ، فهو ذلك ، ولا يلزم أهل الإيمان أكثر من ذلك ، إلا أن يأتي نص بالتعيين متواتر يفيد العلم ، فحينئذ يقطع المؤمن وإلا فلا ، قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عندما رأى جنازة يهودي فقيل له : إنها جنازة يهودي فقال : أليست نفسا ؟ وهذا أرجى ما يتمسك به أهل اللّه في شرف النفس الناطقة ، وأن صاحبها وإن شقي بدخول النار فهو كمن يشقى هنا بأمراض النفس ، من هلاك ما له وخراب منزله وفقد ما يعز عليه ألما روحانيا لا حسيا ؛ فإن ذلك حظ الروح الحيواني ، وهذا كله غير مؤثر في شرفها فإنها منفوخة من الروح المضاف إلى اللّه بطريق التشريف ، فالأصل شريف ، ولما كانت من العالم الأشرف ، قام لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لعينها ، وهذا إعلام بتساوي النفوس في أصلها ، وهذه من أعظم المسائل تؤذن بشمول الرحمة وعمومها لكل نفس ، وإن عمرت النفوس الدارين ، ولا بد من عمارة الدارين كما ورد ، وأن اللّه سيعامل النفوس بما يقتضيه شرفها بسر لا يعلمه إلا أهل اللّه ، فإنه من الأسرار المخصوصة بهم ، فكما أن الحد يجمعهم كذلك المقام يجمعهم لذاتهم إن شاء اللّه تعالى كما قال في الذين شقوا
« إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ »
ولم يقل عذابا غير مجذوذ كما قال في السعداء ، فإن رحمة اللّه سبقت غضبه ، ورحمته تعالى وسعت كل شيء منّة واستحقاقا ، وبالأصل فكل ذلك منة منه سبحانه ، فإنه الذي كتب على نفسه الرحمة للمتقي ، والمتقي بمنته سبحانه اتقاه ، وجعله محلا للعمل الصالح .
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 356 | ابن عربي / محمود محمود الغراب