[ سورة هود ( 11 ) : آية 108 ]
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( 108 )
[ أقسام الجنة ومراتب التفاضل ]
« وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها »
جعلت الجنة دار السعداء ، فهي دار كل سعيد ، وسمّي هؤلاء سعداء لأنهم أقيموا فيما يسهل عليهم ، وهو المساعدة والموافقة
« ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ »
من حيث جوهرهما لا من حيث صورتهما
« إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ »
والاستثناء هنا في حق أهل الجنة على معنى إلا أن يشاء ربك ، وقد شاء أن لا يخرجهم ، فهم لا يخرجون فإن اللّه ما شاء ذلك بقوله
« عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ »
أي غير منقطع لأن اللذة بالجديد الطارئ أعظم في النفس من ملازمة الصحبة . واعلم أن الجنة جنتان محسوسة ومعنوية ، والجنات ثلاث جنات : جنة اختصاص إلهي وهي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا حد العمل ، وحدهم من أول ما يولد إلى أن يستهل صارخا إلى انقضاء ستة أعوام ؛ ويعطي اللّه من شاء من عباده من جنات الاختصاص ما شاء ، ومن أهلها المجانين الذي ما عقلوا ، ومن أهلها أهل التوحيد العلمي ، ومن أهلها أهل الفترات ومن لم تصل إليهم دعوة رسول ، والجنة الثانية جنة ميراث ينالها كل من دخل الجنة ممن ذكرنا ومن المؤمنين ، وهي الأماكن التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها ، والجنة الثالثة جنة الأعمال وهي التي ينزل الناس فيها بأعمالهم ، فمن كان أفضل من غيره في وجود التفاضل ، كان له في الجنة أكثر ، وسواء كان الفاضل دون المفضول أو لم يكن ، غير أنه فضله في هذا المقام بهذه الحالة ، فما من عمل من الأعمال إلا وله جنة ويقع التفاضل فيها بين أصحابها بحسب ما تقتضي أحوالهم ، فما من فريضة ولا نافلة ولا فعل خير ولا ترك محرم ومكروه إلا وله جنة مخصوصة ونعيم خاص يناله من دخلها ، والتفاضل على مراتب : فمنها بالسن ولكن في الطاعة والإسلام ، فيفضل كبير السن على الصغير السن إذا كانا على مرتبة واحدة من العمل بالسن ، فإنه أقدم منه فيه ، ويفضل أيضا بالزمان فإن العمل في رمضان وفي يوم الجمعة وفي ليلة القدر وفي عشر ذي الحجة وفي عاشوراء أعظم من سائر الأزمان وكل زمان عينه الشارع ؛ وتقع المفاضلة بالمكان كالمصلي في المسجد الحرام أفضل من صلاة المصلي في مسجد المدينة ،