تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
إليهم العافية مندرجة في الأدوية الكريهة ، فأخفى من ضرب المثل في الأدوية المؤلمة المتضمنة الشفاء والراحة لا يكون ، فإنه لا أثر لها في وقت الاستعمال مع علمنا بأنها في نفس استعمال ذلك الدواء ، ولا نحسّ بها للطافتها . ومن باب لطفه سريانه في أفعال الموجودات وهو قوله :
« وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ »
ولا نرى الأعمال إلا من المخلوقين ، ونعلم أن العامل لتلك الأعمال إنما هو اللّه ، فلو لا لطفه لشوهد . « الخبير » بما اختبر به عباده ومن اختباره قوله : « حتى نعلم » فيرى هل ننسب إليه حدوث العلم أم لا ، فانظر أيضا هذا اللطف ، ولذلك قرن الخبير باللطيف فقال اللطيف الخبير . « الحليم » هو الذي أمهل وما أهمل ، ولم يسارع بالمؤاخذة لمن عمل سوءا بجهالة ، مع تمكنه أن لا يجهل وأن يسأل وينظر حتى يعلم . « العظيم » في قلوب العارفين به . « الشكور » لطلب الزيادة من عباده مما شكرهم عليه ، وذكرهم به من عملهم بطاعته ، والوقوف عند حدوده ورسومه وأوامره ونواهيه ، وهو يقول :
« لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ »
فبذلك يعامل عباده ، فطلب منهم بكونه شكورا أن يبالغوا فيما شكرهم عليه . « العلي » في شأنه وذاته عما يليق بسمات الحدوث ، وصفات المحدثات . « الكبير » بما نصبه المشركون من الآلهة ، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام :
« بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ »
وهنا الوقف ويبتدئ
« هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ »
فلو نطقوا لاعترفوا بأنهم عبيد ، وأن اللّه هو الكبير العلي العظيم . « الحفيظ » بكونه بكل شيء محيط ، فاحتاط بالأشياء ليحفظ عليها وجودها ، فإنها قابلة للعدم كما هي قابلة للوجود ، فمن شاء سبحانه أن يوجده فأوجده حفظ عليه وجوده ، ومن لم يشأ أن يوجد وشاء أن يبقيه في العدم حفظ عليه العدم ، فلا يوجد ما دام يحفظ عليه العدم ، فإما أن يحفظه دائما أو إلى أجل مسمى . « المقيت » بما قدر في الأرض من الأقوات وبما أوحى في السماء من الأمور فهو سبحانه يعطى قوت كل متقوت على مقدار معلوم . « الحسيب » إذا عدد عليك نعمه ، ليريك منته عليك ، لمّا كفرت بها فلم يؤاخذك لحلمه وكرمه وبما هو كافيك عن كل شيء ، لا إله إلا هو العليم الحكيم . « الجليل » لكونه عز فلم تدركه الأبصار ولا البصائر ، فعلا ونزل بحيث أنه مع عباده أينما كانوا كما يليق بجلاله ، إلى أن بلغ في نزوله أن قال لعبده مرضت فلم تعدني ، وجعت فلم تطعمني ، وظمئت فلم تسقني ، فأنزل نفسه من عباده منزلة عباده من عباده ، فهذا من حكم هذا الاسم الإلهي . « الرقيب » لما هو عليه من لزوم الحفظ لخلقه ، فإن
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 195 | ابن عربي / محمود محمود الغراب