تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
الباطل ، وهو العدم من بين يديه ولا من خلفه ، فمن بين يديه من قوله لما خلقت بيدي ، ومن خلفه لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ليس وراء اللّه مرمى ، فنسب إليه الوراء وهو الخلف ، فهو وجود حق لا عن عدم ، ولا يعقبه عدم ، بخلاف الخلق فإنه عن عدم ويعقبه العدم من حيث لا يشعر به ، فإن الوجود والإيجاد لا ينقطع ، فما ثم في العالم من العالم إلا وجود وشهود ، دنيا وآخرة من غير انتهاء ولا انقطاع ، فأعيان تظهر فتبصر . « الوكيل » الذي وكله عباده على النظر في مصالحهم ، فكان من النظر في مصالحهم أن أمرهم بالإنفاق على حد معين ، فاستخلفهم فيه بعد ما اتخذوه وكيلا ، فالأموال له بوجه ، فاستخلفهم فيها . والأموال لهم بوجه فوكلوه في النظر فيها ، فهي لهم بما لهم فيها من المنفعة ، وهي له بما هي عليه من تسبيحها بحمده ، فمن اعتبر التسبيح قال : إن اللّه ما خلق العالم إلا لعبادته ، ومن راعى المنفعة قال : إن اللّه ما خلق العالم إلا لينفع بعضه بعضا . « القوي المتين » هو ذو القوة لما في بعض الممكنات أو فيها مطلقا من العزة ، وهي عدم القبول للأضداد ، فكان من القوة خلق عالم الخيال ، ليظهر فيه الجمع بين الأضداد ، لأن الحس والعقل يمتنع عندهما الجمع بين الضدين ، والخيال لا يمتنع عنده ذلك ، فما ظهر سلطان القوي ، ولا قوته إلا في خلق القوة المتخيلة وعالم الخيال ، فإنه أقرب في الدلالة على الحق ، فإن الحق هو الأول والآخر والظاهر والباطن ، فما حاز الصورة على الحقيقة إلا الخيال ، وهذا ما لا يسع أحدا إنكاره ، فإنه يجده في نفسه ويبصره في منامه ، فيرى ما هو محال الوجود موجودا ، فتنبه لقوله : إن اللّه هو الرزاق ذو القوة المتين . « الولي » هو الناصر من نصره ، فنصرته مجازاة ، ومن آمن به فقد نصره ، فالمؤمن يأخذ نصر اللّه من طريق الوجوب ، فإنه قال : « وكان حقا علينا نصر المؤمنين » مثل وجوب الرحمة عليه سواء . قال تعالى : « كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح » وأين هذا من اتساعها ؟ فنصرة اللّه تشبه رحمة الوجوب ، وتفارق رحمة الامتنان الواسعة ، فإنه ما رأينا فيما أخبرنا به تعالى نصرة مطلقة ، وإنما رأيناها مقيدة إما بالإيمان وإما بقوله : « إن تنصروا الله ينصركم » . « الحميد » بما هو حامد بلسان كل حامد وبنفسه ، وبما هو محمود بكل ما هو مثنى عليه وعلى نفسه ، فإن عواقب الثناء عليه تعود . « المحصي » كل شيء عددا ، من حروف وأعيان وجودية ، إذ كان التناهي لا يدخل إلا في الموجودات ، فيأخذه الإحصاء فهذه الشيئية شيئية