[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 8 ]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 )
[ حول الناس ]
لم سمى اللّه تعالى البشر الناس ؟ - من باب الإشارة - الناس اسم فاعل من النسيان معرّف بالألف واللام لأنه نسي أن الحق سمعه وبصره وجميع قواه في حال كونه كله نورا ، فلما لم يتذكر الناسي هذه الحال وهو في نفسه عليها غافل عنها ، خاطبه الحق مذكرا له بهذا القرآن الذي تعبده بتلاوته ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ما كانوا قد نسوه .
هامش
البصر فعاين ، فلو كان الغشاء بينه وبين المبصر ما صدق هذا القول ، فكان الغشاء بلا شك على البصر من جهة القلب ، فلا يبصر البصر القلب الذي يقبل ما جاء به ، بل جعله القلب من قبيل السحر والخيال ، فتعظيم العذاب هو العذاب من وجهين فصاعدا ، فلهم عذاب الجهل وعذاب التكذيب ، قال تعالى( فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ )فإنها أدركت بلا شك ( وإنما تعمى القلوب ) أعين البصائر وهو النظر في مقدمات الأدلة وترتيبها( الَّتِي فِي الصُّدُورِ )قد يكون من الرجوع عن الحق قال تعالى( يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ )لهم قوله : ( 9 )« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ »الناس : اسم جنس لا واحد له من لفظه ، كقوم ومعشر ورهط ، وقد قيل في تصغيره نويس ، فلا أصل له في الهمز ، وقد تكلموا في اشتقاقه وقالوا إنه من النوس وهو الصوت ، وهذا كله لا فائدة فيه ، إذ قد علمنا لفظة الناس على من ينطلق ، فأقول :
وإن كان سبب نزولها قوم مخصوصون ، فلا حاجة لذكرهم بما بيّن اللّه من صفتهم ، فكل من قامت به تلك الصفة فهو المراد بالآية إلى يوم القيامة قال تعالى :« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ »فلم يخبر تعالى أنهم قالوا : لا إله إلا اللّه ، ولا أنهم قالوا : اليوم الآخر حق ، وإنما أخبر عنهم أنهم قالوا« آمَنَّا بِاللَّهِ »فالمفهوم الأول التصديق بوجود اللّه ووجود اليوم الآخر ، فيتصور أن يكون هنا طائفتان ، ثم أخبر تعالى بنفي الإيمان عنهم فيما ادعوه ، قولا واعتقادا ، فقال« وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ »بوجود اللّه ، فيكون الإخبار عن المعطلة ، وهم على قسمين : معطلة من حيث الأصل ، ومعطلة بعد وجود ، فقوله« وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ »أي بمصدقين اعتقادا ، ولا ذكر أنهم تلفظوا به ، فتحقق نفي الإيمان عن قلوبهم ، وبقي الاحتمال في هل تلفظوا أم لا ؟ واليوم الآخر ، وأما الطائفة الأخرى ، فقد يكونون مؤمنين باللّه من حيث وجوده وإن كانوا مشركين ، ولا يؤمنون باليوم الآخر ولو كانوا موحدين من حيث الدليل ، فيكون الحق قد نفى بقوله تعالى :« وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ »يعني بما جئت به من الغيب عنا وباليوم الآخر ، والأظهر أنه أراد المثبتين وجوده