تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 9 ]

يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 )
« يُخادِعُونَ اللَّهَ »
بجهلهم القائم بهم بأن اللّه لا يعلم
« وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ »
في خداعهم الذين آمنوا ، فإن من خادع المؤمن فما خدع إلا نفسه ، وأما من يخادع اللّه فهو جاهل باللّه حيث تخيل أنه يلبّس على الحق وأن اللّه لا يعلم كثيرا مما يعملون ، فهو من الخاسرين فإن اللّه هو خادعهم بخداعهم ، أي هو خداع اللّه بهم لكونهم اعتقدوا أنهم يخادعون اللّه ، فما يشعرون اليوم بأن اللّه يرد عليهم أعمالهم .
هامش
سبحانه سواء وحدوا أو أشركوا بقوله فيهم ( 10 )« يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا »وهذا وأيضا قوله« وَالَّذِينَ آمَنُوا »يقوي ما ذهبنا إليه في تفسير نفي الإيمان أنه الإيمان بوجود اللّه ، فيكون« يُخادِعُونَ اللَّهَ »على دعواكم أن ثم إلها« وَالَّذِينَ آمَنُوا »يخادعون حقيقة فإنهم موجودون ، ولا يبعد جميع ما ذكرناه ، فإن هؤلاء الأصناف كلهم موجودون ، وقد دخلوا فيمن بعث إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن رسالته عامة ، فينسحب الخطاب عليهم ، والخداع مأخوذ من المخدع ، فدخلوا فيه ليعصموا دماءهم وأموالهم لما رأوا دين اللّه ظاهرا ، فدل بقوله« يُخادِعُونَ اللَّهَ »على جهلهم باللّه ، وصورة الجهل ، إن كان يعلم ما تلفظوا به من كلمتي الشهادة فهو يعلم ما في نفوسهم من عدم التصديق بها ، وإن كان لا يعلم عدم تصديقهم فلا يعلم أيضا أنهم تلفظوا بالشهادة ، والأظهر أن مخادعتهم للّه على زعمكم أن ثم إلها ، فيبقى الخداع على الحقيقة للذين آمنوا ، الذين يخافون منهم أن يقتلوهم ، ولذلك قال« وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ »أي أمثالهم ، مثل قوله( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ )ومثل قوله( كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ )يريد أمثالكم ، ويحتمل أن يريد بقوله« إِلَّا أَنْفُسَهُمْ »أن يكون الخداع راجعا عليهم ، قال اللّه تعالى( يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ ) ،أي خداعهم هو خداع اللّه بهم ، يؤيد ذلك قوله« وَما يَشْعُرُونَ »أي لا يتفطنون لذلك أنه من خداعنا بهم ، وأما قوله« يُخادِعُونَ اللَّهَ »ببنية المفاعلة لأن المخادعة فعل فاعلين ، وذلك أن من شرط الخداع أن لا يعلم به المخدوع ، واللّه بكل شيء عليم ، فقال تعالى( وَهُوَ خادِعُهُمْ )اسم فاعل من خدع ولم يقل مخادعهم ، فإنه يخدعهم حقيقة ، وهم لا يقدرون أن يخدعوه ، فلم تختلف القراءة في الأول واختلف في الثاني وهو قوله« وَما يَخْدَعُونَ »و« يُخادِعُونَ »فإن المفاعلة تصح منهم في جنسهم ، لكن العالم قد يصح أن ينخدع ، فهو منخدع ، بمعنى أن يظهر لهم أنه مخدوع ،