لما تقدم النهي عن الشرك والمعاصي عقّب سبحانه بالأمر بالتوحيد والطاعات
( وَقَضى رَبُّكَ )
أي مر ربك وأوجب
( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ )
ولا تعبدوا غيره
( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً )
أي وأوصى بالوالدين إحسانا
( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما )
أي إن عاشا عندك حتى يكبرا أو عاش أحدهما حتى يبلغ من السن مبلغا يحتاج فيه إلى الرعاية والإحسان
( فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ )
روي عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جدّه أبي عبد اللّه عليهم السلام . قال : لو علم اللّه لفظة أوجز في ترك عقوق الوالدين من أف لأتى بها . والمتبرم يكثر قول أف ، وهي كلمة كراهة
( وَلا تَنْهَرْهُما )
أي لا تزجر هما بالغلظة والصياح ولا تمتنع من شيء أراداه منك ، وخاطبهما بقول رقيق لطيف حسن
( وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ )
وبالغ في الخضوع والتواضع لهما ، وقال أبو عبد اللّه ( ع ) : معناه لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برأفة ورحمة ولا ترفع صوتك فوق صوتهما ولا يديك فوق أيديهما ، ولا تتقدم قدّامهما ، وادع لهما بالمغفرة في حياتهما وبعد مماتهما جزاء لتربيتهما إياك في الصغر هذا إذا كانا مؤمنين ، وفي هذا دلالة على أن دعاء الولد لوالده الميّت مسموع ، وروى أسيد الأنصاري قال : بينما نحن عند رسول اللّه ( ص ) إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال : يا رسول اللّه هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما بعد موتهما ؟ قال : نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما
( فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً )
والأواب التواب المتعبد الراجع عن ذنبه أو هم الراجعون إلى اللّه فيما ينوبهم ، وقيل غير ذلك .