تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر مجمع البيان — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
( سائِغاً لِلشَّارِبِينَ )
أي مستساغا في أفواههم عندما يشربونه ، وفيها بيّن سبحانه لمن ينكر البعث ، أن من قدر على إخراج لبن ابيض سائغ من بين الفرث والدم من غير أن يختلط بهما قادر على إخراج الموتى من الأرض من غير أن يختلط شيء من أبدانهم بأبدان غيرهم ، وكذلك لكم عبرة فيما أخرج اللّه لكم من ثمرات النخيل والأعناب مما تتخذون منه سكرا ، أي ما أسكر من الشراب ، والرزق الحسن ما أحل مما يخرج منهما كالخل والزبيب ، والرطب والتمر ، وأنه سبحانه اخبر أنه خلق هذه الثمار لينتفعوا بها ، فاتخذوا منها ما هو محرم عليهم
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً )
أي دلالة ظاهرة
( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )
ويتفكرون في عظمة اللّه تعالى ،
( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ )
أي ألهمها ، أو جعل ذلك في غرائزها ، قال أبو عبيدة : الوحي في كلام العرب على وجوه : منها وحي النبوة ، ومنها الإلهام ، ومنها الإشارة ، ومنها الكتاب ، ومنها الإسرار ، والمعنى هنا : أن اللّه تعالى الهم النحل اتخاذ المنازل والأوكار في الجبال والشجر للعسل ، ولا يقدر على مثلها أحد .
( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ )
وهو العسل لأن منه ما هو شديد البياض ، ومنه ما هو أصفر ، ومنه ما يضرب إلى الحمرة ، لأن النحل تتناول ألوانا مختلفة من النبات والزهر فيجعلها اللّه تعالى عسلا على ألوان مختلفة إلا أنها تلقيه من أفواهها كالريق
( فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ )
من كثير من الأمراض وان فيما ذكر من بدائع صنع اللّه تعالى دلالة بينة لمن تفكر فيه . ثم بيّن سبحانه أنه خلق الخلق وأنعم عليهم بضروب النعم الدينية والدنيوية ثم يميتهم ويقبضهم ( ومنهم
مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ )
أي أدون العمر حين يصير إلى الهرم والخرف ، فيظهر النقصان في جوارحه وحواسه وعقله حتى يرجع إلى حال كحال الطفولة بنسيان ما كان علمه ، ويقل علمه بخلاف ما كان عليه أيام شبابه
( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ )
بمصالح عباده
( قَدِيرٌ )
على ما يشاء من تدبيرهم .
مختصر مجمع البيان — صفحة 187 | الشيخ الطبرسي