تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
وأمّا السرّ في
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
كيف قرن الصراط ب
« اهْدِنَا » ،
مع أنّ الهداية تعطي معنى الصراط ، وكان من الواجب أن يكتفى بذكرها ، وكذلك الصراط يعطي معنى الاستقامة وقد وصفه بها ، وعرّف الصراط المستقيم بقوم مخصوصين ، وهم الذين أنعم عليهم من النبيّين وأكّد ذلك بنفي طريق الأضداد الضالّين المضلّين أنّ الهداية يجري فيها التضادّ والترتّب . أمّا التضادّ فمثل ما ورد في قوله تعالى :
يَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ .
فقد أثبت هداية إلى العذاب كما أثبت هداية إلى الثواب ؛ وذلك هو التضادّ ؛ وأمّا الترتّب فمثل ما ورد في قوله تعالى :
أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى .
فقد أثبت هاديا ومهتديا ؛ وذلك هو الترتّب . قوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
لنفي ذلك الضدّ ، وقوله :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
لإثبات هذا الترتّب . وسرّ آخر :
اهْدِنَا
طلب الهداية ، وهو على الإطلاق ؛ وقوله :
الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
تخصيص لذلك المطلق ؛ وقوله :
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
تعيين لذلك الخاصّ ؛ وقوله :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
تلخيص لذلك المعيّن حتّى لا يبقى في السؤال شوب « 1 » الإجمال . وسرّ آخر : أنّ طالب الهداية لا بدّ له من هاد يسعفه إلى طلبته ؛ والهادي في الحقيقة هو اللّه - عزّ وجلّ - لكنّه أضاف هدايته إلى قوم مخصوصين قد عرّف الصراط بهم ؛ فقال :
صِراطَ الَّذِينَ
( 41 ب )
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
لتعرف أنّ في العالم قوما قد أنعم اللّه عليهم بالهداية وقوما قد وفّقهم اللّه لطلب الهداية ؛ فيكون أحدهما عالما والثاني متعلّما ؛ وأحدهما هاديا والثاني مهتديا ؛ وهما مزدوجان ؛ فصار المثنى السادس من المثاني السبعة . وسرّ آخر : أنّ طالب الهداية مبتدى وله حكم المبتدأ والمستأنف ؛ والهادي للطالب منته ، وله حكم الكامل والمفروغ ؛ فيتبيّن في ذكر الفريقين حكم الكونين ، ويتحقّق كون الحكمين ؛ وأنّ العالم ليس يخلو عن الذين أنعم اللّه عليهم بالهداية ، وهم المفروغون البالغون الكاملون ، كما ليس يخلو عن الذين وفّقهم اللّه لطلب الهداية وهم المبتدؤون المتوجّهون إلى الكمال .
هامش
( 1 ) . س : شوف .