وأين الفريقان المختصمان من معرفة أسرار القرآن في العموم والخصوص ، والتضادّ والترتّب ، والمفروغ والمستأنف ، وإثبات الكونين وتقرير الحكمين ؟ !
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها .
وسرّ آخر : ظهور المعاني بالكلمات والأسامي أمر معلوم ؛ وذلك هو التفسير ، لكنّ تشخيص الأسامي والمعاني بالأشخاص والأعيان أمر مشكل ؛ وذلك هو التأويل ؛ وكما أنّ رحمة اللّه - عزّ وجلّ - متشخّصة بشخص هو النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - بعينه وشخصه بدليل قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
كذلك نعمة اللّه - عزّ وجلّ - متشخّصة بشخصه - عليه وآله السلام - بدليل قوله :
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ؛
فالرحمة والنعمة في التنزيل على الإطلاق يعمّان الموجودات عموم الوجود والكرم في وجودها وبقائها ودفع الآفات عنها ؛ وهما في التأويل على التعيين يخصّان شخصا أو شخصين خصوص اللطف والقربة في أحوال وجودهما وبقاء نوعهما ودفع الآفات عنهما .
وكما أنّ الحمد والملك موضوعان للثناء والمجد لغة وتنزيلا ، كذلك هما موضوعان على شخصين معيّنين معنى وتأويلا .
فرحمة اللّه رجل من الرجال ، ونعمة اللّه شخص على الكمال ، والحمد للّه حامد له على كلّ حال ، والملك للّه ملك شديد المحال .
وفي القرآن :
لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ
وفيه : 407 « له الحمد وله الملك » ؛ واللام قد تكون لام التمليك وقد تكون لام التخصيص ، وعلى هذا المنهاج : الصراط في التنزيل طريق مستقيم ، وفي التأويل شخص مستقيم .
قوله - عزّ وجلّ - :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
النحو [ والقراءة ] قال أهل النحو في انخفاض « غير » أربعة أوجه : أحدها لأنّه بدل عن « الذين » ؛ والثاني لأنّه نعت « الذين » ؛ والثالث لأنّه بدل أو صفة لضمير « عليهم » ؛ والرابع أنّه على نيّة تكرير « الصراط » .