وكيف نخصّه بالاستعانة به وطلب التوفيق منه ؛ فإنّ الأسامي السابقة تستدعي الثناء عليه والشكر له والعبادة إيّاه والاستعانة به ؛ وهي أسامي « 1 » الجلال والإكرام والرحمة والإنعام والملك والملك في الدارين والقدرة والقهر في المنزلتين .
والكلمتان متطابقتان متوازيتان لفظا ومعنى وهما المثنى الخامس في المثاني السبعة ؛ وأشعرت الكلمة الأولى بقبول التكليف والاعتراف بالاستطاعة والاكتساب ، وفيها نفي الجبر « 2 » المحض ؛ وأشعرت الكلمة الثانية بتحقيق التقدير وطلب المعونة والتيسير ، وفيها نفي القدر المحض ؛ وفي العبادة والاستقلال بها حكم المبتدأ والمستأنف ، وفي الاستعانة والاحتياج إليها ( 39 ب ) حكم المفروغ والسابقة ؛ وقد تقدّم الاستعانة على العبادة وذلك في القنوت والدعاء : « اللّهمّ إنّا نستعينك أوّلا ، اللّهمّ إيّاك نعبد آخرا » وقد تقدّم العبادة على الاستعانة ، وذلك في العبادة والصلاة :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
لأنّ الدعاء عرض الحاجة وطلب الإجابة ، والعبادة عرض العبودية وبذل المجهود في الطاعة . ثمّ كما أشار بإيّاك الأوّل إلى أنّ العبادة له تعالى وخاصّة به ، فلا معبود سواه ، كذلك أشار بإيّاك الثاني إلى أنّ طلب التوفيق والمعونة منه ، فلا مستعان سواه . فمن ابتداء السورة إلى
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
كلّها تعريفات ؛ ومنه إلى آخر السورة كلّها تكليفات . وفي الخبر المعروف : « قسّمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين » وفيه : « إذا قال العبد : إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ، يقول الربّ تعالى : هذا بيني وبين عبدي » الخبر بتمامه . 405
وقال بعض أهل الإشارة : إنّ الكاف والنون تواصلتا « 3 » في الكلمتين ؛ والكاف تقتضي المشاهدة ؛ إذ هي خطاب للحاضر ؛ والنون تقتضي المجاهدة ؛ إذ هي حكاية عن المستطيع القادر ، وكما استنارت الكائنات باتّصال الكاف والنون عند الإبداع والتكوين ، كذلك استنارت القلوب باتّصال الكاف والنون عند الطاعة والتسليم .
وقال بعضهم إنّ اسم اللّه يعطي معنى استحقاق العبادة ، قال اللّه تعالى :
اعْبُدُوا اللَّهَ ، *
وإنّ اسم الرحمن يعطي معنى استحقاق الاستعانة ، قال اللّه تعالى :
وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ
وإنّ اسم الرحيم يعطي معنى استحقاق الهداية ، قال اللّه تعالى :
هُدىً وَرَحْمَةً *
هامش
( 1 ) . س : اشيامى .
( 2 ) . س : الخير .
( 3 ) . س : تواصلنا .