من أن العبد ممكن من الطاعة والمعصية ، وأنهما يحدثان من قبله ، لا يمنع من إضافة [ الطاعة ] إليه تعالى ، لأنها إنما تتم منا بسائر الوجوه التي قدمت ذكرها ، ولولاها لم تتم ، فغير ممتنع أن يضيفها تعالى إلى نفسه ، ويضيفها العبد إليه .
ويبين ما ذكرناه أن المعاصي ينبغي أن لا تضاف إليه تعالى ، على وجه .
وذلك لأن سائر ما معه تحسن الإضافة وتصح ، معدوم فيها ، بل قد اختصت بوجوه تقطع الإضافة ، من حيث منعنا من فعلها بالزجر والوعيد والنهى والتخويف ، إلى غير ذلك من الألطاف التي بعث العبد بها إلى أن لا يفعلها . ويوجب كل ذلك أن العبد إذا عوقب ووبخ على المعاصي ، فإنه يستحق ذلك ، لأنه أتى من قبل نفسه ، من حيث أزاح تعالى سائر علله في أن لا يفعلها ، وسهل له السبيل إلى ذلك ، ولم يدع أمرا لو فعله لم يكن يختار المعصية إلا وقد فعله ، ولا فعل أمرا لو لم يفعله لاختار المعصية ، إلا ولم يفعله ، فإنما أتى من قبل نفسه من كل وجه ، وإن كان طاعته لم تتم من قبل نفسه بكل وجه .
فلهذه الجملة : جعلنا القديم تعالى منعما بالطاعة ؛ لأنه من الوجوه التي بيناها صارت الطاعة كأنها من قبله تعالى ، ولم نجعله بما فعله من المعصية سببا .
902 - مسألة في مقارنة اللطف والمفسدة
اعلم أن القدرة وسائر ما به وعنده يصح منه الفعل ، ولولاه كان يتعذر في باب التمكين ، فلا يجوز أن « يعد اللطف من « 1 » ، لأن اللطف هو عبارة عما يغير دواعي الإنسان واختياره ، فلا بد من أن يكون التمكين من الفعل قد تقدم ،
هامش
( 1 ) في الأصل : يعدم