فأما ما يرد على المكلف في أوقات نومه مما يراه في النوم ويجوز فيه أن يكون لطفا ، فإنما يجوز ذلك فيه ، من حيث يعلم من حاله أن عند الانتباه متى يذكره ، دعاه إلى الخير والطاعة ، فيصير التذكير لطفا له ، لكنه لما يتم إلا بخطور ذلك بقلبه عند النوم ، وجب في الحكمة أن يفعل .
وقد يدخل في هذا الباب أن يعلم من حال بعض الملائكة أنه إذا نبّه الإنسان وأخطر بباله الشيء ، اختار ما كلف ، ولولاه كان لا يختاره ، فيجب في الحكمة أن يكلف الملك ذلك التنبيه ، أو يقال : إنه مصلحة له ، أو لمن أخطره بباله . كما نقوله في بعثة الأنبياء . ولا يمتنع في الخاطر أن يكون صلاحا إذا كان من قبله تعالى ، وأن يكون فيه ما لا يكون لطفا إلا إذا كان من قبل الملك .
وكذلك في دعاء الإنسان غيره إلى النظر والأفعال ، لأن ذلك قد يجوز أن يكون لطفا . فمن كان حاله هذا وجب أن يكلفه تعالى .
ومتى كان لطفا للمدعو إلى ذلك ، وجب أن يكلفه ، فإن علم أنه لا يفعله ، قبح تكليف المدعو ؛ لفقد الأمر الذي هو لطف له .
واعلم أنه قد يدخل في هذا الباب ما أعلمناه تعالى من أحوال الآخرة ، نحو الحساب والمساءلة والميزان ، ونحو توكيله الحفظة بالعبد ليكتبوا أعماله ، ونحو إنطاق اللسان والجوارح ، إلى غير ذلك .
واللطف في هذا الباب عندنا : هو معرفة المكلف بأن ذلك سيكون ، أو تمكنه من معرفته ؛ لأنه تعالى إذا علم ذلك من حاله ، فلا بد من أن يعرفه ويدله ، على ما بيناه .
واعلم أنه قد يدخل في هذا الباب ذكر الأدلة وتكرير ذكرها ، لأنه عند ذلك - إذا سمعه المكلف - يكون أقرب إلى فعل ما كلف . فمن علم ذلك من
متشابه القرآن — صفحة 733
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٣٣