تخطي إلى المحتوى الرئيسي

متشابه القرآن — صفحة 729

مساهمون:

ص٧٢٩
ما يفعل به من العقوبة ، لكان له أن يهرب منها إذا أمكنه ذلك ، ويحسن ذلك منه ، فيحسن منه أيضا أن يدعو لنفسه بالمغفرة ، ولا يحسن منه أن يمنع من نزول العقوبة بغيره فعلا ، فيجب أن لا يحسن منه ذلك في المسألة والدعاء . فإذا ثبتت هذه الجملة ، وصح أن الدعاء قد يحصل فيه من الانقطاع إلى اللّه تعالى والرجوع إليه في الأفعال ؛ لم يمنع أن يتعبد تعالى في بعض الأشياء أن ندعوه به وإن أخبر أنه لا يفعله ، ولا يمتنع أن يتعبد بأن ندعوه بأن لا يفعل ما يعلم أنه يقبح فعله . وعلى هذا الوجه يجوز أن يتأول قوله تعالى :
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
على أن المراد به الدعاء بأن لا يكلفهم ما لا يطيقون ، إلى غير ذلك . فيجب فيما جرى هذا المجرى أن يكون موقوفا على التقييد . ولهذه الجملة قلنا : إنه يحسن من الإنسان أن يدعو ويسأل العافية والصحة والغنى والأموال ، ولا يحسن منه أن يسأله تعالى المحن والأمراض والفقر ، وإن كنا نعلم أن هذه الأمور بمنزلة تلك ، في أنه قد تكون ألطافا ، وقد تختص بأنها مصلحة دون ما خالفها . فإذا ثبت ذلك ، جاز أن نتعبد بأن نفزع إليه في طلب الهداية والتوفيق والعصمة . ولا يوجب ذلك ما ظنه كثير من الجهال من أن ذلك إنما يحسن من حيث لا يبقى على الإنسان قدرة ، ومن حيث يتجدد له الألطاف حالا بعد حال . ولذلك صح عندنا أن يتعبد من لا لطف له بهذه المسألة ، لأنه لا يعلم أنه لا لطف له ، فيحسن منه أن يفزع إلى اللّه تعالى في طلبه ، فإن كان لو علم ذلك ؛ كان لا يمتنع أن يتعبد بما فيه ، من الانقطاع إليه تعالى ومن اللطف . وهذه الجملة كافية في بيان ما ذكرناه . وإذا تأملتها عرفت ما ذكرناه في زيادة الهدى وإزالة الإلجاء ، ونحو ما ذكرناه في الألطاف . ويبين ذلك أن ما نقوله
متشابه القرآن — صفحة 729 | القاضي عبد الجبار الهمذاني / عدنان محمد زرزور