ولهذا قلنا : إنه تعالى قد أعان المكلف على الإيمان والطاعة ، ولم يعنه على الكفر والمعصية ، لأنه لم يرد تمكينه وإزاحة علله منه للكفر والمعاصي ، بل يكرهها منه .
وعلى هذا الوجه تستعمل المعونة في الشاهد ؛ لأن الواحد منا إذا أعطى غيره سيفا ، وقصد أن يجاهد في سبيل اللّه ، وصف بأنه أعانه على الجهاد ، وإن كان السيف يصلح لقتل نفسه وقتال المسلمين ، ولا يوصف بأنه أعانه على ذلك ، لما لم يرده منه . فكان الأصل في المعونة إرادة ما به ومعه يتم الأمر المراد . وعلى هذا الوجه يقال في الواحد منا إذا حمل الثقيل مع غيره : إنه أعانه ، لأنه قصد بما فعل أن يتم المراد .
ولا يوصف لفظ الأمر بأنه معونة ، ولا ما يتناوله بأنه معان فيه ؛ لأنه كان يجب أن يكون إبليس معانا على الاستفزاز لوجود لفظ الأمر . فعلم أن المعتبر في ذلك هو الإرادة ، وإن كان الأمر بها يكشف عن الإرادة ، فمن حيث يختص بذلك يوصف المأمور بأنه معان لأجله . ولهذا قلنا : إنه تعالى أعان المكلف على فعل ما كلفت لا على المعاصي . ولا يمتنع في الألطاف وسائر ما يبعث المكلف على الفعل . إذا فعله تعالى للغرض الذي قدمناه ، أن يوصف لأجله بأنه معين له . وقد يقال للواحد منا إذا لطفت لغيره ، ودعاه ، وبين له : إنه قد أعانه على الخير ؛ للوجه الذي بيناه .
900 - مسألة في ذكر الخذلان والنصرة وما يتصل بهما « 1 »
اعلم أن الأصل في النصرة إنما تستعمل إذا تعلق الفعل بغيره ، فيقال إنه منصور
هامش
( 1 ) انظر المغنى : 13 / 111 فما بعدها .