تخطي إلى المحتوى الرئيسي

متشابه القرآن — صفحة 596

مساهمون:

ص٥٩٦
وبعد ، فإنه يوجب بظاهره أنه تعالى يغفر لهم لا محالة ، وليس ذلك بقول لمن يعرف من المرجئة ، ويوجب القول بأنه تعالى قد أغرى بالمعاصي من حيث علمنا أنه يغفرها لا محالة ، وهذا مما لا يجوز في تكليف الحكيم . وبعد ، فإن القنوط من رحمة اللّه هو أن يعتقد المسرف على نفسه أنه لا يغفر له البتة ، فأما إذا اعتقد أنه يغفر له بالتوبة ، فإنه لا يكون قانطا ، فيجب أن تكون المغفرة المذكورة على الوجه الذي يخرج المسرف على نفسه من أن يكون قانطا من رحمة اللّه ، ولا يوجب ذلك إلا جواز المغفرة على بعض الوجوه فقط فمن أين أنه تعالى يغفر على كل حال . وبعد ، فإنه تعالى بين من بعد أنه يغفر مع التوبة والإنابة ، فقال :
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ
[ 54 ] ولو أراد المغفرة على كل وجه لم بخوف من العذاب إذا هم لم ينيبوا ولم يسلموا ، بل كان يجب زوال العذاب عنهم للمغفرة المتقدم ذكرها ، أنابوا وأسلموا أم لم يفعلوا ذلك . وبعد ، فإذا ثبت أن الكفار داخلون في الآية صح أن المغفرة بشرط التوبة ، فكذلك المغفرة في الفساق ، لأن الكلام على وجه واحد [ و ] لا يمكنهم التخلص من ذلك إلا مع القول بأنه تعالى إنما أراد الفساق فقط . وقد بينا أن وصفه لهم بأنهم أسرفوا على أنفسهم كالمانع من ذلك ، على أن فيما بعده ما يدل على أن الآية في الكفار فقط ، وهو قوله تعالى :
بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ
[ 59 ] لأن هذا راجع إلى ما تقدم . 645 - وقوله تعالى :
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ
[ 54 ] يدل على أن التوبة والإنابة لا تنفع إذا جاء العذاب ، على ما نقوله ؛ من أن أهل النار ملجئون ، فلا تقبل لهم توبة .