تخطي إلى المحتوى الرئيسي

متشابه القرآن — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
حيث حل محله في أنه لا ينتفع بما يسمع ويبصر فيتفكر فيه ، ويعقل « 1 » ، وإن كان أهل اللغة إذا ذكروا البيان وأوضحوا الحجة فعدل المخاطب عن معرفته قالوا فيه : إنه بهيمة وهو حمار مطبوع على قلبه لا يعقل ولا يبصر رشده « 2 » ، حتى إنهم يقولون فيه إذا تجاوز هذا الوصف هو ميت جماد ، وقد قال أبو الهذيل « 3 » رحمه اللّه : إنهم لشدّة تمسكهم بالكفر صاروا كأنهم منعوا أنفسهم من الانتفاع بما يسمعون ويبصرون ويعقلون ، فقيل فيهم ذلك ، كما قيل في المثل : حبك الشيء يعمى ويصم ، من حيث يصرف عن طريقة الرشاد . 279 - وقوله :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ
من أقوى ما يدل على مذهبنا في اللطف ، لأنه بين تعالى أنه لو علم فيهم قبولا لأسمعهم ما اقترحوا من الآيات ؛ لأنهم اقترحوا ذلك ، وقد أظهر اللّه المعجز فقال مبينا بأنه لو كان في المعلوم أنهم يؤمنون عنده لأسمعهم ، لكنه قد علم أنهم وإن سمعوه يتولون ويعرضون فلا يقبلون . 280 - وأما قوله تعالى من بعد :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
« 4 » فلا يصح أن يتعلق به المجبرة في أنه تعالى يمنع من الإيمان ؛ لأن ظاهره يقتضى أنه يحول بين المرء وقلبه لا بينه وبين أفعال قلبه ، ولأنه لو أراد الحيلولة في الحقيقة لم يكن فيه فائدة ؛ لأن بيننا وبين القلب حائلا ، ولذلك لا نراه كما لا نرى المستور المحجوب ، فلا ظاهر للقوم !
هامش
( 1 ) انظر الفقرتين : 18 ، 259 . ( 2 ) ف : في شدة . ( 3 ) هو أبو الهذيل العلاف : محمد بن الهذيل بن عبيد اللّه بن مكحول العبدي ، من شيوخ المعتزلة . أخذ الكلام عن عثمان الطويل صاحب واصل بن عطاء ، وبرع في الجدال وقطع الخصوم . وقيل إنه توفى في أول أيام المتوكل سنة خمس وثلاثين ومائتين ، عن مائة سنة . انظر طبقات المعتزلة ، ص 44 أمالي المرتضى 1 / 178 . ( 4 ) من الآية 24 ، والآية بتمامها :[ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ].