فأما استرجاع الهبة للأجنبي أو للوالد « 1 » ، فذلك يعلم بالسمع « 2 » ، والواجب من جهة العقل أنه لا يحل الرجوع فيه ، لأنه كسائر ماله بعد التمليك ، فكما ليس له أخذ ما عدا الهبة من غير تراض فيه ، فكذلك القول في الهبة ، والشرع هو الذي ورد بجواز ذلك ، فلا يصح أن يجعل ذلك جوابا لهذا السائل .
ومن وجه آخر ، وهو أنه إذا حسن أن يبيح استرجاع الهبة لأعواض عظيمة ، لم يمتنع أن يحسن منه تزع الملك لعوض عظيم .
ومن وجه آخر : وهو أنه قد يجوز أن يعلم أن استدامة الملك في ذلك العبد مفسدة ، فيجب في الدين نزعه لا محالة .
103 - مسألة : فإن قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه خص الأنبياء صلوات اللّه عليهم بما هم عليه من الفضل والصلاح ، فقال :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ
[ 33 ] .
والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن ظاهر الاصطفاء لا يدل إلا على أنه اختار لأمر خاص دون غيره « 3 » ، فمن أين أن « 4 » المراد ما اختصوا به من الفضيلة ؟ ويجب
هامش
( 1 ) د : للولد .
( 2 ) روى الشافعي رضي اللّه عنه بسنده إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال :
( من وهب هبة لصلة رحم ، أو على وجه صدقة ، فإنه لا يرجع فيها ، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد به الثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض عنها ) الأم : 3 / 283 . وفي سنن النسائي : ( لا يرجع أحد في هبة إلا والد من ولده ) 2 / 133 - 134 ، وفي ابن ماجة :
( لا يحل للرجل أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ) ، وفي رواية له :
( لا يرجع أحدكم في هبته إلا الوالد من ولده ) سنن ابن ماجة 2 / 36 . وانظر من خرج رواية النسائي أيضا وخلاف الفقهاء في هذا الموضوع : نيل الأوطار للشوكاني : 5 / 246 - 249 .
( 3 ) انظر الإشارة إلى هذا ، الفقرة 71 .
( 4 ) ساقطة من د .