أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ
الآية . فأضاف الحرث إليهم والزرع إليه تعالى لأن الحرث فعلهم ويجري على اختيارهم ، والزرع من فعل اللّه وينبت على اختياره لا على اختيارهم ، وكذلك ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 511 » : « لا يقولنّ أحدكم زرعت ولكن ليقل حرثت » .
وتتضمن هذه الآية أمرين :
أحدهما : الامتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم .
الثاني : البرهان الموجب للاعتبار بأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذوره وانتقاله إلى استواء حاله ، [ من العفن إلى الترتيب ] « * » حتى صار زرعا أخضر ، ثم جعله قويا مشتدا أضعاف ما كان عليه ، فهو بإعادة من مات أحق وعليه أقدر ، وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفطر السليمة .
ثم قول تعالى
لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً
يعني الزرع ، والحطام الهشيم الهالك الذي لا ينتفع به ، فنبه بذلك على أمرين :
أحدهما : ما أولاهم من النعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاما ليشكروه .
الثاني : ليعتبروا بذلك في أنفسهم ، كما أنه يجعل الزرع حطاما إذا شاء كذلك يهلكهم إذا شاء ليتعظوا فينزجروا .
فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ
بعد مصير الزرع حطاما ، وفيه أربعة أوجه :
أحدها : تندمون ، وهو قول الحسن وقتادة ، ويقال إنها لغة عكل وتميم .
الثاني : تحزنون ، قاله ابن كيسان .
الثالث : تلاومون ، قاله عكرمة .
هامش
( 511 ) رواه الطبري ( 27 / 198 ) وزاد في الدر ( 8 / 23 ) نسبته لابن مردويه والبزار وأبي نعيم والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه .
( * ) هذه الفقرة من القرطبي وقد نقلها عن المصنف .