وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
وفي كلامها ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه يظهر منها سمة « 23 » تقوم [ مقام ] « * » كلامها كما قال الشاعر :
وقد قالت العينان سمعا وطاعة * وحدّرتا كالدر لما يثقّب
الثاني : أن الموكلين بها يشهدون عليها « 24 » .
الثالث : أن اللّه تعالى يخلق فيها ما يتهيأ معه الكلام منها .
روى الشعبي عن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « 25 » « يقال لأركانه انطقي فتنطق بعمله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول : بعدا لكنّ وسحقا فعنكن كنت أناضل » .
فإن قيل فلم قال
وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ
فجعل ما كان من اليد كلاما ، وما كان من الرجل شهادة ؟
قيل لأن اليد مباشرة لعمله والرجل حاضرة ، وقول الحاضر على غيره شهادة ، وقول الفاعل على نفسه إقرار ، فلذلك عبّر عما صدر من الأيدي بالقول ، وعما صدر من الأرجل بالشهادة . وقد روى شريح بن عبيد عن عقبة بن عامر قال « 26 » : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل اليسرى » .
فاحتمل أن يكون تقدم الفخذ بالكلام على سائر الأعضاء لأن لذة معاصيه يدركها بحواسه التي في الشطر الأعلى من جسده ، وأقرب أعضاء الشطر الأسفل منها الفخذ ، فجاز لقربه منها أن يتقدم في الشهادة عليها ، وتقدمت اليسرى لأن الشهوة في
هامش
( 23 ) وهذا تأويل غير مرض وكذا الثاني والصواب أن الأعضاء تنطق على الحقيقة كما ورد في الحديث الصحيح الذي أورده المؤلف في القول الثالث ومنه تعلم أن القول الثالث هو الراجح .
( * ) زيادة يقتضيها السياق .
( 24 ) وهذا إن كان صحيحا فليس هو المقصود في الآية .
( 25 ) رواه مسلم ( 2969 ) . وزاد في الدر ( 7 / 67 ) نسبته للنسائي وابن أبي الدنيا في التوبة وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات .
( 26 ) رواه أحمد ( 5 / 3 ) وابن جرير ( 23 / 24 ) وزاد في الدر ( 7 / 67 ) نسبته لابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه .