قلنا له : اذهب إلى فرعون إنه طغى ، فقل له : هل يقع لك أن تؤمن وتتطهر من ذنوبك .
وفي التفسير : لو قلت لا إله إلا اللّه فلك ملك لا يزول ، وشبابك لا يهرم ، وتعيش أربعمائة سنة في السرور والنعمة . . ثم لك الجنة في الآخرة .
« وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى »
أقرّر لك بالآيات صحّة ما أقول ، وأعرفك صحة الدين . . فهل لك ذلك ؟ فلم يقبل .
ويقال : أظهر له كل هذا التلطّف ولكنه في خفيّ سرّه وواجب مكره به أنه صرف قلبه عن إرادة هذه الأشياء ، وإيثار مراده على مراد ربّه ، وألقى في قلبه الامتناع ، وترك قبول النّصح . . وأيّ قلب يسمع هذا الخطاب فلا ينقطع لعذوبة هذا اللفظ ؟ وأيّ كبد تعرف هذا فلا تتشقّق لصعوبة هذا المكر ؟
قوله جل ذكره :
[ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 20 إلى 24 ]
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى ( 20 ) فَكَذَّبَ وَعَصى ( 21 ) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى ( 22 ) فَحَشَرَ فَنادى ( 23 ) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ( 24 )
جاء في التفسير : هي إخراج يده بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس . فقال فرعون : حتى أشاور هامان « 1 » ، فشاوره ، فقال له هامان : أبعد ما كنت ربّا تكون مربوبا ؟ ! وبعد ما كنت ملكا تكون مملوكا ؟
فكذّب فرعون عند ذلك ، وعصى ، وجمع السّحرة ، ونادى :
« فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى »
ويقال : إنّ إبليس لمّا سمع هذا الخطاب فرّ وقال : لا أطيق هذا ! ويقال قال : أنا ادّعيت الخيرية على آدم فلقيت ما لقيت . . وهذا يقول :
أنا ربّكم الأعلى .
قوله جل ذكره :
[ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 26 إلى 41 ]
إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 26 ) أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ( 28 ) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها ( 29 ) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 )
أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ( 31 ) وَالْجِبالَ أَرْساها ( 32 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 33 ) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ( 34 ) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ( 35 )
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى ( 36 ) فَأَمَّا مَنْ طَغى ( 37 ) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 38 ) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ( 39 ) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ( 40 )
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( 41 )
هامش
( 1 ) يقصد القشيري من بعيد إلى شيئين : أو لهما أن فساد الملوك قد يكون بسبب وزرائهم وحاشيتهم . . ولعلنا نذكر ما قلناه في المدخل عن أن أشد المحنة التي ألمت بالقشيري كانت بسبب الكندري وزير السلطان طغرل .
وثانيهما أن الصحبة السيئة قد تؤدى إلى هلاك الصاحب والمصحوب ، وفي هذا تحذير لأرباب الطريق ( راجع باب الصحبة في الرسالة ص 145 ) .