ويقال : من سقاه اليوم شراب محبّته آنسه وشجّعه ؛ فلا يستوحش في وقته من شئ ، ولا يضنّ بروحه عن بذل . ومن مقتضى شربه بكأس محبته أن يجود على كلّ أحد بالكونين من غير تمييز ، ولا يبقى على قلبه أثر للأخطار .
ومن آثار شربه تذلّله لكلّ أحد لأجل محبوبه ، فيكون لأصغر الخدم تراب القدم ، لا يتحرّك فيه للتكبّر عرق .
وقد يكون من مقتضى ذلك الشراب أيضا في بعض الأحايين أن يتيه على أهل الدارين .
ومن مقتضى ذلك الشراب أيضا أن يملكه سرور ولا يتمالك معه من خلع العذار وإلقاء قناع الحياء « 1 » ويظهر ما هو به من المواجيد :
يخلع فيك العذار قوم * فكيف من ماله عذار ؟
ومن موجبات ذلك الشراب سقوط الحشمة ، فيتكلم بمقتضى البسط ، أو بموجب لفظ الشكوى ، وبما لا يستخرج منه - في حال صحوه - سفيه بالمناقيش « 2 » . . . وعلى هذا حملوا قول موسى :
« رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »
« 3 » فقالوا : سكر من سماع كلامه « 4 » ، فنطق بذلك لسانه . وأمّا من يسقيهم شراب التوحيد فينفى عنهم شهود كلّ غير فيهيمون في أودية العزّ ، ويتيهون في مفاوز الكبرياء ، وتتلاشى
هامش
( 1 ) هكذا في م وهي في ص ( الحياة ) ، والملائم لخلع العذار إلقاء قناع ( الحياء ) . والمقصود بهما تجاوز حد الصبر على المكتوم من الحب ، ونطق العبد وهو في غلبات الشهود بشطحات ظاهرها مستشنع وإن كان باطنها في غاية السلامة ( انظر تعريف السراج للشطح في اللمع ) .
( 2 ) المناقيش جمع منقاش ، ويقال في المثل : استخرجت منه حقي بالمناقيش أي تعبت كثيرا حتى استخرجت منه حقي ( الوسيط ) .
( 3 ) آية 143 سورة الأعراف .
( 4 ) الضمير في ( كلامه ) يعود على الرب ؛ سبحانه حينما قال :« إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ »، وفي موضع آخر يصف القشيري موسى عليه السلام بأنه كان في حال التلوين فظهر عليه ما ظهر ، بينما المصطفى ( ص ) ليلة المعراج كان في حال التمكين فما زاغ بصره وما طغى .