تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
التقوى الأولى على ذكر العقوبة في الحال والفكر في العمل خيره وشرّه « 1 » . والتقوى الثانية تقوى المراقبة والمحاسبة ، ومن لا محاسبة له في أعماله ولا مراقبة له في أحواله . . فعن قريب سيفتضح « 2 » . وعلامة من نظر لغده أن يحسن مراعاة يومه ؛ ولا يكون كذلك إلّا إذا فكّر فيما عمله في أمسه والناس في هذا على أقسام : مفكّر في أمسه : ما الذي قسم له في الأزل ؟ وآخر مفكّر في غده : ما الذي يلقاه ؟ ؟ وثالث مستقل بوقته فيما يلزمه في هذا الوقت فهو مصطلم عن شاهده موصول بربّه ، مندرج في مذكوره « 3 » ؛ لا يتطلّع لماضيه ولا لمستقبله ، فتوقيت الوقت يشغله عن وقته « 4 » . قوله جل ذكره :

[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 19 ]

وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 19 ) تركوا طاعته فتركهم في العذاب ؛ وهو الخذلال حتى لم يتوبوا . . أولئك هم الفاسقون « 5 » . قوله جل ذكره :

[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 20 ]

لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 ) لا يستوى أهل الغفلة مع أهل الوصلة . وأصل كلّ آفة نسيان الربّ ، ولولا النسيان لما حصل العصيان ، والذي نسي أمر نفسه فهو الذي لا يجتهد في تحصيل توبته ، ويسوّف فيما يلزمه به الوقت من طاعته .
هامش
( 1 ) ويكون العبد فيها في مرحلة الغيبة ( أي قبل السّكر ) : فيما دام هناك وارد لثواب أو عقاب أو فكر في حال أو مآل - فهذه في منازل السالكين دون المرحلة التالية . ( 2 ) تفيد هذه الإشارة في توضيح الفرق في الاصطلاح بين : المراقبة والمحاسبة . ( 3 ) لأن أقصى درجات الذكر أن يفنى الذاكر في المذكور ، وقد اعتبرنا الأوصاف أسماء مفعول تعبيرا عن فناء الإرادة الإنسانية ، وتجرد العبد من كل فعل في نفسه ولنفسه . ( 4 ) ولهذا يقولون : الصوفىّ ابن وقته ؛ ومعناه أنه مشتغل بما هو أولى به في الحال ، قائم بما هو مطالب به في الحين ، مستسلم لما يبدو له من الغيب من غير اختيار له . ومن ساعده الوقت فالوقت له وقت ، ومن ناكده الوقت فالوقت عليه مقت . ( الرسالة ص 34 ) . ( 5 ) سيعود القشيري لاتمام إشارة هذه الآية بعد الآية التالية .
لطائف الإشارات — صفحة 565 | ابو القاسم عبد الكريم القشيري / إبراهيم بسيوني