تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لطائف الإشارات — صفحة 566

مساهمون:

ص٥٦٦
قوله جل ذكره :

[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 21 ]

لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) أي لو كان للجبل عقل وصلاح فكر وسرّ ، وأنزلنا عليه هذا القرآن لخضع وخشع . ويجوز أن يكون على جهة ضرب المثل كما قال :
« تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ »
« 1 » ويدل عليه أيضا قوله :
« وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ »
: ليعقلوا ويهتدوا ، أي بذلك أمرناهم ، والمقصود بيان قسوة قلوبهم عند سماع القرآن . ويقال : ليس هذا الخطاب على وجه العتاب معهم ، بل هو على سبيل المدح وبيان تخصيصه إيّاهم بالقوة ؛ فقال :
« لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ »
لم يطق ولخشع - وهؤلاء خصصتهم بهذه القوة حتى أطاقوا سماع خطابي « 2 » . قوله جل ذكره :

[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 22 ]

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 22 )
« الْغَيْبِ »
: ما لا يعرف بالضرورة ، ولا يعرف بالقياس من المعلومات « 3 » . ويقال : هو ما استأثر الحقّ بعلمه ، ولم يجعل لأحد سبيلا إليه .
« وَالشَّهادَةِ »
: ما يعرفه الخلق . وفي الجملة : لا يعزب عن علمه معلوم .
هامش
( 1 ) آية 90 سورة مريم . ( 2 ) يتصل هذا بموضوع السماع عند الصوفية ، وقد عقد السراج له فصلا ممتعا في « اللمع » ، ومن أقواله المتصلة بهذه النقطة إلى أثارها القشيري يقول السراج : ألا ترى أحدهم يكون ساكنا فيتحرك ويظهر منه الزفير والشهيق ، وقد يكون من هو أقوى منه ساكنا في وجده لا يظهر منه شئ من ذلك ( اللمع ص 375 ) ويجيب الجنيد حين سئل عن سكونه وقلة اضطرابه عند السماع : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ) . ( 3 ) أي لا يعرف بالضرورة العقلية ولا بالقياس العقلي لأن العقل يستمد أحكامه من المحسات ، والغيب بعيد عن المحسات ، فلا سبيل للخلق إليه بوسائلهم المحدودة وحدها .